فيروس الزكام: عطسة تكفي لإعادة توزيع العدوى بعدالة تامة

ضربة قلم
انتشر خلال الأسابيع الأخيرة وباء الزكام، ذاك “الضيف الثقيل” الذي لا يحتاج لتأشيرة دخول، ولا يعرف حدودًا ولا جوازات سفر، ويكفيه عطسة واحدة حتى يعلن احتلاله الرسمي للجهاز التنفسي. وكما هو معلوم، هذا الداء معدٍ أكثر من إشاعة في حي شعبي، ويكفي أن يعطس شخص في مطعم أو مقهى، حتى تتطاير الفيروسات بحرية تامة، وكأنها تحتفل بعرس جماعي في الهواء.
فالأمر لا يتطلب كثيرًا من الجهد: زبون يسعل، نادل يسلم النقود، والنقود بدورها تتكفل بالباقي، فهي تحمل من الأسرار والجراثيم، أكثر مما تحمله من القيمة الشرائية. أوراق نقدية تداولت بين جيوب العطار والجزار وسائق الطاكسي، وصولًا إلى جيبك الموقر، الذي يظن نفسه في مأمن لأن “الكمامة” لا تزال معلقة في مرآة السيارة منذ جائحة كورونا، كذكرى جميلة من زمن الخوف والوقاية.
ولن نتحدث عن الزملاء في العمل، أولئك الذين يأتون وهم نصف مرضى ونصف أبطال، يتفاخرون بقدرتهم على “العمل رغم الزكام”، بينما ينثرون الفيروس، كما ينثر الفلاح الحبوب في موسم الحرث. ولا ننسى أفراد الأسرة الواحدة، حيث يتحول البيت إلى مختبر بيولوجي مفتوح: عطسة من الأب، سعال من الأم، والابن الصغير يُعلن النتيجة بعد 48 ساعة من “الحضانة” في القسم.
أما الجيران، فحدث ولا حرج، يكفي أن تسلم عليهم بطيب نية، أو أن تستعير قدحًا من السكر، لتعود بالفيروس “بونيس” على الصفقة. وحتى في السفر، لا يرحمك الزكام، سواء كنت في مقصورة قطار حيث يسعل أحد الركاب في تناغم موسيقي مع صرير العجلات، أو في طائرة محكمة الإغلاق حيث يتنقل الفيروس بخفة راقصة بين المقاعد، أو في حافلة لا يعرف فيها الراكب، إن كانت رائحة المعقم أم العطس الجماعي هي العلامة التجارية للمسافرين.
إنه موسم الزكام يا سادة، موسم العطاس الديمقراطي، الذي لا يفرق بين غني وفقير، بين مدير وموظف، بين صاحب مشروع ومياوم. وحدها المناديل الورقية تحقق أرباحًا غير مسبوقة، بينما أدوية “الأنفلونزا” تنظر إلينا من رفوف الصيدليات وهي تبتسم بثقة المنتصر.
لكن لا تقلقوا، فالخبراء يؤكدون أن الزكام ليس خطرًا كبيرًا، إلا أنه مؤشر صغير على مدى هشاشتنا في مواجهة أبسط الفيروسات… وربما أيضًا على مدى “سخائنا” في تبادل ما لا يُطلب منا تبادله.




