فيضانات القصر الكبير تقتحم المحكمة وتُغرق الحكايات الرسمية: حين تسقط البنية التحتية

ضربة قلم
لم تكن مياه الأمطار التي اجتاحت مدينة القصر الكبير مجرد فيضانات موسمية عابرة، بل كانت مداهمة صريحة لكل ما قيل عن “التأهيل” و“الاستعداد” و“الرؤية المستقبلية”.
مياه صعدت بلا استئذان، جابت الشوارع، اقتحمت البيوت، ولم تتوقف عند حدود الأحياء الهشة، بل وصلت حتى محكمة المدينة، في مشهد رمزي بليغ: العدالة نفسها صارت تمشي في الماء.
حين يتكلم الماء… يسكت الحكواتيون
في القصر الكبير، لم يحتج المواطن إلى تقارير ولا بلاغات، لأن المشهد كان أصدق من أي خطاب.
الشوارع تحولت إلى قنوات، الأرصفة اختفت، البالوعات لفظت عجزها، وكل ما قيل عن “بنية تحتية صامدة” ذاب مع أول موجة جدية من المطر.
هنا، انكشف الفرق بين المدينة كما تُروى في الاجتماعات، والمدينة كما تعيش على الأرض.
انكشف أن سنوات من الكلام المنمق، لم يترجم إلى قنوات تصريف فعّالة، ولا إلى تخطيط يحترم طبيعة المكان، ومجاري المياه وتاريخ الفيضانات.
لا “سيمو” ولا غيره… الماء لا يعترف بالألقاب
في لحظات كهذه، لا ينفع لا “سيمو” رئيس الجماعة، ولا نوابه، ولا صور التدشينات، ولا منشورات التبرير.
الماء لا يقرأ البلاغات، ولا يحترم الصفحات الرسمية، ولا يفرّق بين حيّ مهمش وشارع يُفترض أنه “مُهيأ”.
والمؤلم أن المدينة ليست جديدة العهد بالفيضانات. القصر الكبير تعرف اللوكوس، وتعرف ما يعنيه ارتفاع منسوبه، وتعرف أن كل شتاء يحمل إنذارًا مؤجلاً.
لكن ما يبدو أن المسؤولين لم يتعلموا شيئًا، أو تعلموا… ثم نسوا.
محكمة مغمورة… ورمزية موجعة
حين تصل المياه إلى محكمة المدينة، فالأمر يتجاوز حادثًا تقنيًا.
إنه مشهد رمزي فاضح:
– مبانٍ يفترض أنها محصّنة تغرق
– وثائق مهددة
– مواطنون يقصدون العدالة فيجدونها محاصَرة بالماء
كأن الفيضان جاء ليقول: الخلل ليس في حيّ واحد، بل في المنظومة كلها.
البنية التحتية… الحلقة الأضعف دائمًا
الفيضانات لم “تفضح” الطبيعة، بل فضحت البنية التحتية:
شبكات صرف غير قادرة على الاستيعاب،
تخطيط عمراني تجاهل المنخفضات،
صيانة موسمية تُنجز على الورق،
ومشاريع تُدشَّن بالكاميرات أكثر مما تُختبر بالمطر.
كل هذا جعل من أول تساقطات قوية اختبارًا فشل فيه الجميع، بينما دفع المواطن الثمن وحده: خسائر، رعب، ليل بلا نوم، وأسئلة بلا أجوبة.
محكمة أخرى… اسمها الرأي العام
في غياب المحاسبة الفعلية، تحولت منصات التواصل والمجالس الشعبية إلى محكمة المدينة الحقيقية.
هناك، لم يعد الناس يناقشون “كم نزل من المطر”، بل:
– لماذا لم نكن مستعدين؟
– أين ذهبت ميزانيات الإصلاح؟
– ولماذا نعيد نفس الأخطاء كل سنة؟
أسئلة ثقيلة، لا يجيب عنها تصريح عابر ولا صورة اجتماع.
الخلاصة: القصر الكبير لا تحتاج خطبًا… بل قنوات تصريف
ما حدث في القصر الكبير ليس قضاءً وقدرًا فقط، بل نتيجة تراكم الإهمال.
والمدينة اليوم لا تحتاج:
لا إلى حكواتيين
لا إلى تبريرات موسمية
لا إلى “سيمو” يشرح ما وقع بعد أن وقع
بل تحتاج:
تخطيطًا يحترم الجغرافيا
بنية تحتية تُختبر قبل أن تُدشَّن
ومسؤولية تُمارس قبل الكارثة، لا بعدها
لأن المطر سيعود…
والسؤال الحقيقي: هل ستعود القصر الكبير بنفس الهشاشة؟




