الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

فيض المعلومات.. والعالم يتحول إلى ضجيج دائم

عبد الإله بوسيف/ ألمانيا

لم يعد الإنسان المعاصر يخاف من نقص المعلومات، بقدر ما أصبح يرهقه فائضها. فالعالم اليوم لا يتوقف عن الكلام، والشاشات لا تهدأ، والأخبار لا تعرف النوم. وبين إشعار وآخر، يجد الفرد نفسه محاصرًا بسيل لا ينتهي من الأحداث والتحليلات والآراء، حتى صار القلق ردّ فعل يومي، لا حالة استثنائية.

في هذا السياق، لم يعد التحدي أن نعرف ما يجري حولنا، بل أن نحافظ على قدرتنا على العيش وسط هذا الضجيج دون أن نفقد صوتنا الداخلي.

على ضوء تسارع الإيقاع الرقمي، لم يعد “موضوع الساعة” حدثًا بعينه، بل تحوّل إلى حالة مستمرة من التوتر الجماعي. نستيقظ كل يوم على أزمة جديدة: اقتصاد متقلّب، تكنولوجيا تتقدّم بلا توقف، وصراعات تتسلل إلى تفاصيل حياتنا، حتى وإن لم نكن طرفًا مباشرًا فيها.

غير أن السؤال لم يعد: ماذا يحدث؟
بل أصبح أكثر عمقًا وصدقًا: كيف نعيش وسط كل ما يحدث؟

المفارقة أن الإنسان اليوم، يمتلك من الوسائل ما يختصر العالم في هاتف صغير، لكنه يختصر معه أيضًا قلقه وخوفه وضجيجه. خبر عابر قادر على إفساد يوم كامل، وتحليل مطوّل قد يزرع توترًا لم يكن موجودًا قبل لحظات.

لم تعد المشكلة في الأحداث نفسها، بل في طريقة استهلاكنا لها. لم نعد نتابع الأخبار، بل أصبحنا نعيش داخلها. تحوّلت الشاشات إلى نوافذ مفتوحة على المآسي والنجاحات والجدل في آن واحد، حتى فقدنا تدريجيًا القدرة على التمييز بين ما يؤثر فعلًا في حياتنا، وما يستنزف طاقتنا دون جدوى.

الأخطر من ذلك أن هذا الضجيج المتواصل بدأ يسلب منا أبسط حق إنساني: الهدوء.
ذاك الهدوء الذي يمنحنا مساحة للتفكير، والمراجعة، والفهم، بدل الاكتفاء بردود الفعل السريعة والانفعالات المؤقتة.

وسط هذا الزحام، لم تعد القيمة في سرعة الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على اختيار ما يستحق الانتباه. فليس كل ما يحدث حولنا يستحق أن يسكن داخلنا.

ربما “موضوع الساعة” الحقيقي ليس أزمة سياسية أو اقتصادية، بل أزمة انتباه… أزمة توازن بين أن نكون على وعي بما يجري، وأن نحافظ في الوقت ذاته على سلامنا الداخلي.

العالم سيواصل الدوران بوتيرة متسارعة،
لكن الإنسان لم يُخلق ليعيش بالسرعة نفسها.

لذلك، قد يكون أعظم فعل في زمننا هذا هو أن نبطئ قليلًا…
لا لنتأخر، بل لنفهم.

“في هدوء اللحظة، تولد القدرة على فهم العالم… بلا ضجيج.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.