فيلم الباك في زمن الواتساب: حين يتحول الغش إلى خدمة رقمية مدفوعة!

ضربة قلم
يا لَسخرية الأقدار! في بلدٍ تُعلن فيه النوايا الحسنة على منصات البلاغات الرسمية وتُحاصر فيه محاولات الغش كما يُحاصر الخارجون عن القانون، نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع ملحمة تقنية حديثة أبطالها ليسوا فرساناً ولا علماء ذرة، بل شباب في مقتبل العمر يتقنون فن إرسال “الكوبي كولي” أكثر من إتقانهم لمادة الرياضيات.
في الحسيمة، المدينة الهادئة التي تحتضن البحر وتُغنّي للجبال، لم يكن أحدٌ يتوقع أن تتحول تطبيقات المراسلة من أدوات للتواصل العائلي و”دز لي تصويرة ديال العرس” إلى مصانع رقمية لإنتاج الأجوبة الفورية. نعم، نحن أمام “ستارتاب” محلي من نوع خاص، شبكات متخصصة في التوريد الفوري للأجوبة، تعمل بخدمة ما بعد البيع وتضمن الجودة حسب الطلب، وكل هذا بـ”مقابل مالي”، لأن الغش المجاني لم يعد يليق بعصر التسويق الرقمي.
الشاب، المسكين أو “الرائد التقني” – على حسب الزاوية التي ترى بها الأمور – لم يكن يدري أن عيونه الصغيرة التي تحدق في شاشة الهاتف هي نفسها العيون التي تحدق فيها كاميرات المراقبة الإلكترونية. فالمصالح الأمنية، كما جاء في البلاغ، كانت في حالة “يقظة إلكترونية”، وهو تعبير يوحي لنا بأن هناك من يسهر الليل بجانب شاحن الهاتف المحمول يتتبع رسائل “الواتساب” كما يتتبع الرادار سرعة سيارات المواطنين في ممرات غير مضاءة.
ثم جاءت لحظة الحقيقة، لحظة التفتيش القانوني، الذي لا شك أنه تم بكل مهنية وحذر. وجدوا المحجوزات، التي لا نعرف تفاصيلها ولكن من المحتمل أن تكون هواتف محمولة محشوة بجداول المواد ومواعيد الامتحانات و”سكرينشوتات” مشبوهة. النيابة العامة لم تتردد، و”دارت خدمتها”، وأمرت بالحراسة النظرية للشاب، في انتظار أن يقع باقي أفراد الفريق الذي ربما يعمل بنظام المناوبة الليلية في شبكة تسريب جماعية أكثر تنظيماً من بعض الإدارات العمومية.
من يدري؟ قد يظهر في التحقيق أن هناك لجنة للبرمجة، ولجنة للتدقيق، ومسؤول عن الدعم التقني لمستعملي “واتساب”، وربما حتى متدرب يتولى أرشفة الأجوبة في “غوغل درايف”. نحن أمام مشروع لم يأخذ وقته في الإنكباب على الإبداع في إطار القانون، بل قرر أن يغوص في عمق الممنوع ويدير الأمور كما تُدار الشركات الناشئة: سريعا، خفيا، وعلى أمل ألا يُمسك به أحد.
وفي النهاية، نعود لطرح السؤال الأهم: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحوّل امتحان البكالوريا إلى معركة مناورات استخباراتية بين مراهق يحمل هاتفاً ذكياً ونيابة عامة تحمل أمراً بالتفتيش؟ هل فشلنا في تحبيب التلميذ في المعرفة، أم أن التلميذ اكتشف منذ زمن أن الحياة العملية لا تسأل عن النقاط بقدر ما تسأل عن “من تعرف” و”كم تدفع”؟
قد نضحك، نعم، ولكنها ضحكة مرة، لأننا نعلم أن ما تحتها مرآة لمجتمع اختلط فيه الذكاء بالخداع، والتقنية بالتحايل، والمراقبة بالتمويه. والنتيجة؟ طالب يمشي نحو المستقبل وهو لا يعلم من الأجوبة إلا ما وصله عبر تحويل مالي، وآخر يقبع في مخفر، يتأمل شاشةً كانت قبل أيام أداة إنقاذ وأصبحت الآن أداة إدانة.
فليحيا “الواتساب”… وليسقط الغش الرقمي!





https://shorturl.fm/A5ni8
https://shorturl.fm/A5ni8