في الذاكرة الصحفية: حين غرقت المحمدية… وغرقت معها حقائق صامتة

م-ص
ليست فيضانات نونبر 2002 بالمحمدية، مجرد حادثة مناخية عابرة، ولا صفحة طُويت في أرشيف الكوارث الطبيعية بالمغرب، بل هي لحظة كاشفة، عرّت تراكُمات سنوات من القرارات الإدارية، والاختيارات العمرانية، والتحالفات الصامتة بين السلطة والمال، حيث التقت السماء الغاضبة، بالأرض التي أُسيء تدبيرها.
1. نونبر 2002: حين انفجرت الذاكرة دفعة واحدة
حين اجتاحت السيول مدينة المحمدية، لم يكن الماء وحده، هو الذي اندفع بقوة، بل اندفعت معه أسئلة محرجة، وملفات قديمة، وحسابات مؤجلة. الفيضانات لم تكتفِ بتخريب البنية التحتية، أو إغراق الأحياء، بل أزاحت أقنعة وسرّعت قرارات، كانت في طور الانتظار.
في خضم هذه الكارثة، تمّت الإطاحة بالمرحوم عبد الرحمن السعيدي من الإدارة العامة لشركة سامير، في لحظة بدت لكثيرين، وكأنها تحميلٌ تقنيٌّ لمسؤولية أزمة أكبر من شخص، وأعقد من منصب. كما نُقل إدريس خزاني، عامل عمالة المحمدية آنذاك، إلى عمالة الجديدة، في سياق إداري لم يكن بريئًا تمامًا، من الخلفيات السياسية والشخصية، خاصة وأن الرجل لم يكن محسوبًا على دائرة المرحوم بلفقيه أمزيان، الذي ظل اسمه حاضرًا بقوة في خلفية المشهد.
2. السلطة لا تسقط بالمطر… لكنها تعيد ترتيب نفسها
في المغرب، كثيرًا ما تكون الكوارث الطبيعية مسرّعات إدارية. لا تُنتج القرارات، لكنها تُعجّل بها. هكذا، وفي سياق ما بعد الفيضانات، برز اسم محمد دردوري، أحد تلامذة المرحوم بلفقيه أمزيان، الذي كان يشغل قبلها منصب مدير إقليمي بوزارة التجهيز بمكناس، وهو مهندس قناطر، أي رجل يعرف لغة الماء والجسور… نظريًا على الأقل.
التحاقه بالمحمدية، لم يكن عاديًا، لا في توقيته ولا في رمزيته. حتى التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو هامشية، كانت دالة: جلب خيّاط راقٍ من الدار البيضاء في الليلة نفسها، استعدادًا لظهور رسمي مختلف، كما لو أن المدينة، لم تكن فقط بحاجة إلى مسؤول، بل إلى صورة جديدة للسلطة، بعد أن شوّهتها مياه الوادي.
3. المدينة التي لم تكن فقيرة… لكنها غرقت
الفيضانات لم تفرّق بين بيت متواضع، وقصر أنيق. أتلفت الأثاث، وأفقدت العائلات ذكرياتها، وأسقطت شركات. من بين أكثر القصص إيلامًا، إفلاس شركة للخشب في ملكية، أحد أبناء المحمدية، كانت تشغّل يدًا عاملة محلية، لتتحول في ساعات إلى ركام صامت.
المحمدية، التي لم تكن يومًا مدينة هشة اقتصاديًا، وجدت نفسها فجأة عارية، أمام قوة الطبيعة، لكن السؤال الحقيقي، لم يكن: لماذا نزل المطر؟
بل: لماذا لم يجد الماء طريقه الطبيعي؟
4. القصة التي تعود إلى ما قبل المطر… بكثير
لفهم ما وقع في 2002، لا بد من الرجوع إلى الوراء، بعيدًا، إلى سنة 1975، إلى المسيرة الخضراء، حين ساهم مولاي علي الكتاني في دعم المتطوعين، باقتناء حوالي 350 ألف حقيبة يدوية. بعد سنة، وبأمر ملكي، تقرر مكافأته.
هنا تبدأ القصة الحقيقية للأرض… وللوادي.
بتعليمات من وزارة الداخلية آنذاك، تدخّل عدد من رؤساء الجماعات، من بينهم مولاي العربي الزروالي، رئيس جماعة المحمدية، ليُمنح الرجل هديتين عقاريتين:
-
الأولى: أرض مشروع فيلات مونيكا، المطلة على البحر، والتي لولا مشروع توسيع ميناء المحمدية – الذي أصبح لاحقًا أكبر ميناء نفطي في إفريقيا – لكانت أمواج الأطلسي، قد التهمت صفوفها صفًا صفًا.
-
الثانية: الأخطر والأكثر دلالة… سرير وادي المالح، أو ما كان سكان المحمدية القدامى يسمونه بـ“المرجة”.
5. حين تُمحى “المرجة” من الذاكرة… لا من الطبيعة
احتفظ مولاي علي الكتاني بأرض “المرجة” دون تسويقها لسنوات طويلة. لم يبدأ بيع الأراضي إلا سنة 1996. ومع الزمن، تحوّل سرير الوادي إلى حي سكني ضخم أطلق عليه اسم “الوفاء”، عمارات إسمنتية، قائمة فوق ذاكرة الماء.
مرّت سنوات شتاء قاسية، على المحمدية قبل 2002، ولم يحدث شيء يُذكر. لكن سنة 2002، كانت مختلفة، ليس لأن المطر كان استثنائيًا فقط، بل لأن الوادي لم يعد واديًا، بل ذكرى مطمورة تحت الإسمنت.
حين فُتحت مياه سد وادي المالح، لم تجد سريرها الطبيعي، فبحثت عن طريق آخر. فكان أن اجتاحت الأحياء القريبة من شارع الجيش الملكي، وامتدت نحو منشآت حيوية، من بينها شركة سامير، التي عرفت وقتها حريقًا، زاد المشهد قتامة وتعقيدًا.
6. من المسؤول؟ سؤال بلا جواب نهائي
هل المسؤول هو المطر؟
أم السد؟
أم القرارات العمرانية؟
أم من وقّع الرخص؟
أم من صمت حين كان عليه أن يعترض؟
ربما الجميع… وربما لا أحد بالاسم، لكن المؤكد أن الطبيعة لا تنسى مجاريها، حتى وإن نُسيت في التصاميم والخرائط.
7. الفيضانات كمرآة للذاكرة الوطنية
ما وقع في المحمدية سنة 2002 لم يكن حادثًا معزولًا، بل نموذجًا مصغّرًا، لما يحدث حين تُدار المدن، بمنطق الظرف، لا بمنطق التاريخ والجغرافيا. وحين تُمنح الأرض كمكافأة، لا كمسؤولية.
الذاكرة الصحفية هنا ليست استدعاءً للحنين، بل واجب تنبيه:
لأن ما غرق أمس… قد يغرق غدًا،
ولأن الأودية قد تُردم،
لكن الماء… يعود دائمًا ليطالب بحقه.




