الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الافتتاحية

في الذاكرة الصحفية: حين كانت المراحيض العمومية أخطر من قاعة تحرير

محمد صابر

في المهنة، لا تُقاس السنوات بعدد المقالات المنشورة، بل بعدد المتابعات القضائية التي مرّت من تحت جلدك، وتركت فيك أثرًا لا يُرى، لكنه لا يزول. نتذكر اليوم، لا على سبيل التشفي ولا على سبيل تصفية الحساب، بل لأن الذاكرة حين تُستدعى بشيء من الإنصاف، تتحول إلى وثيقة أخلاقية، أن من بين القضايا المثيرة التي صادفناها في طريقنا المفروش بالأشواك، كانت واقعة بدت للوهلة الأولى بسيطة، لكنها كشفت كثيرًا مما كان يُدار في الظل.

كان ذلك في أواخر التسعينيات، زمنٌ كانت فيه خريطة النفوذ تتداخل بين عمالة المحمدية وعين حرودة والنواحي التي كانت آنذاك تابعة لعمالة البرنوصي، قبل أن تعود إلى حضن المحمدية. علمنا، من مصادر لم تكن آنذاك تشتغل بالهوى، أن رئيس سرية الدرك الملكي بالمحمدية-زناتة، الذي كان يسهر على تسيير الجهاز بالمنطقة، تسلّم المراحيض العمومية بشاطئ “بالوما”. إلى هنا قد يبدو الخبر إداريًا باردًا، لكن المفاجأة أن تلك المراحيض تحولت، بسرعة البرق، إلى منزل اصطيافي خاص، “كابانوه” أنيق في موقع لا يملك الناس فيه، سوى حق المرور، لا حق التملك.

كان الزمن زمن انتخابات 1997، وكان الهواء مشبعًا بالحسابات الدقيقة. أغاضنا، لا شخص المعني، بل الفكرة ذاتها: أن تُسلّم جماعة عين حرودة مرافق عمومية لمسؤول أمني، وأن يُحرم المواطنون من حقهم الطبيعي في فضاء هو في الأصل لهم. قمنا بالواجب، نشرنا الخبر، بلا زينة لغوية ولا رغبة في بطولات ورقية. فقط نشرنا.

لكن في مهنة الصحافة، لا يبقى الخبر وحيدًا. سرعان ما بدأت الفصول تتلاحق.

أول ما حدث أن المعني بالأمر بادر إلى بيع “الكابانوه” لمواطنة مغربية مقيمة بالخارج. خطوة بدت كأنها محاولة لإطفاء نار قبل أن تتسع. غير أن ما تلاها كان أكثر غرابة. فقد اتفق رئيس السرية، الذي كان وقتها برتبة رائد، مع دركي برتبة مساعد، على حبك خيوط مؤامرة ساذجة، لا تنطلي حتى على من لم يقرأ سطرًا في القانون.

اتصل بنا المساعد، دون مناسبة سابقة، ودعانا إلى لقاء في اليوم الموالي، “لقضاء ليلة ماجنة” – حسب تعبيره – رفقة صديقة له وصديقة صديقته، في عين المكان ببالوما، حيث النفوذ الأمني للدرك. ألحّ الرجل، وأغرق الدعوة بتفاصيل لا تليق إلا بمحاضر يراد لها أن تُكتب سلفًا، لتشفي غليل من “اكتوى” بنشر الخبر.

قلنا له بهدوء: سنحاول.

في اليوم الموالي، وقبل الساعة السادسة مساءً، اتصلنا بإدارة الدرك الإقليمية بشارع الجيش الملكي، تلك البناية التي شُيّدت في عهد المعمر، وظلت كما هي، كأن الزمن مرّ حولها لا عليها. ردّ موزع المكالمات. طلبنا المساعد، فأجاب بعفوية: “راه داخل عند القبطان”. اكتفينا بطلب تبليغه أننا، لظروف خارجة عن إرادتنا، لن نتمكن من اللقاء.

بين قوسين إنسانيين، ذلك المساعد – رحمه الله – توفي لاحقًا في حادثة سير مميتة. والحديث عنه هنا ليس انتقاصًا من شخصه، بل تثبيت لوقائع زمن مضى.

مرت أيام معدودة، ليتصل بنا رجل مدني، لكن رتبته كانت أعلى من القبطان. قصدناه إلى مكتبه. ما إن جلسنا حتى قلنا له مباشرة: “لا شك أن المناسبة تتعلق بالقبطان”. ابتسم بإيجاب، وأخبرنا أنه في الطريق.

دخل الرجل الذي لم نكن نعرفه شخصيًا. جلس بعجرفة زائدة، كأن الموضوع الذي لم يُذكر بعد، قد خدمه في غيابنا خدمة كبيرة. بدأ بسؤال مستفز: “واش خدمتي معايا فالصحراء؟” أجبناه بهدوء: “الصحراء موجودة في الخريطة المغربية”. ولأن الحوار كان ينحدر إلى تفاهات، قطعناه بسؤال مباشر: “كيف يُعقل أن تسخر فلانًا – ونقصد المساعد – لاستدراجي واعتقالي في تراب دائرتك؟”

أغضب ذلك صاحب المكتب، فأمره بالمغادرة دون تردد. وحين خرج، قال لنا بلغة راقية: “بينك وبينه”. واسترسل موضحًا أنه كان ينوي إنهاء الأمر وديًا، لكن ما قيل أمامه لم يُستسغ.

ولأن الله يمهل ولا يهمل، لم تمض أيام قليلة حتى حضر الخبر صباحًا: المواطنة المهاجرة قصدت القبطان تطالبه باسترداد مالها، بعدما زارت عمالة البرنوصي للاستفسار عن مساطر التسجيل والتحفيظ، فقيل لها إن العقار من ممتلكات الجماعة، ولا يجوز البناء عليه. لجنة من العمالة أوفدت، وهُدم “الكابانوه”.

وصلنا أيضًا أن القبطان طرد المواطنة من مكتبه، وتبعها بألفاظ نابية حتى باب الإدارة المطل على شارع الجيش الملكي.

قمنا بالواجب مرة ثانية. نشرنا الخبر.

هذه المرة، لم يكن الصدى خافتًا. سُجن القبطان في سجن داخلي بالرباط لمدة شهرين. ثم خفت اسمه من التداول، كأن المدينة طوته في صفحة سريعة.

في سنة 1998، وخلال لقاء عرضي مع القائد الجهوي للدرك الملكي 2 مارس – المرحوم العقيد مطعيش – وفي سياق الحديث عن الواقعة، أكد لنا أن الرجل كان متهورًا، وأنه كان ينوي معالجة الأمر باعتذار بحضور القيادة، بعد إعادة المال، لكن حين خرج الموضوع إلى الرأي العام، حيث لم يبق أمامه سوى اللجوء إلى المساطر القانونية.

تمر السنوات، وتبهت التفاصيل، لكن بعض المشاهد تعود فجأة.

ذات يوم، وأنا أتأهب للجلوس في مقهى بالمحمدية، التقيت ثلاثة أساتذة جامعيين من كلية الحقوق. كان معهم شخص رابع. سلمت، ولاحظت أن الرجل الرابع يصافحني بصعوبة، كأن الذاكرة أثقل من يده. تبعني أحد الأساتذة إلى طاولتي وسألني: “عرفته؟” أجبته بالنفي. قال: “راه هو القبطان… مسجل معنا فالكلية، وكيجي من حين لآخر للمحمدية.”

تأملتُ المفارقة بصمتٍ ثقيل.
الرجلُ الذي كان، يومًا، يحيك الخيوط في الظلّ ضدي، لا لذنب اقترفته، ولا لخصومة شخصية، سوى لأنني فعلتُ ما يفرضه عليّ الضمير المهني، وما تُمليه أخلاقيات مهنة لا تحتمل المساومة.

لم أشعر بشماتة. فقط شعرت أن الحياة، أحيانًا، تُعيد ترتيب المقاعد بهدوء عجيب. وأن الصحافة، مهما كلفت من متابعات ومضايقات، تبقى فعل ذاكرة. والذاكرة، حين تُكتب بنَفَس طويل وحذر، لا تنتقم… بل تضع كل شيء في مكانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.