الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

في اللحظة التي يصبح فيها القلب محكمة، والعقل جلادًا

ضربة قلم

هناك لحظات في الحياة، لا ينهزم فيها الإنسان أمام الآخرين، بل أمام نفسه.
لحظات يطأطئ فيها الرأس، ليس خجلاً من نظرات الناس، بل من انعكاس وجهه في مرآة داخله. ذلك الشعور الثقيل الذي يتسرب ببطء، كالماء البارد في عروق ساخنة، اسمه الإحباط.
الإحباط ليس دوماً نتيجة هزيمة كبرى أو فشل صاخب. أحياناً يولد من تفاصيل صغيرة: كلمة لم تُقل في وقتها، فرصة أفلتت، أو خطأ نعرف أننا نحن من زرع بذوره بيدينا.
هو ذاك الضيف الثقيل الذي لا يطرق الباب، بل يجلس على صدرك مباشرة، ويبدأ في سرد قائمة خسائرك، واحدة تلو الأخرى.
لكن ما يجعل الإحباط أكثر قسوة، ليس هو وجوده، بل رد فعلنا تجاهه.
كثيرون لا يكتفون بالشعور به، بل يشرعون في معاقبة أنفسهم.
تجدهم يجلدون ذاتهم بعبارات صامتة:
“لماذا فعلت هذا؟ كان يجب أن أكون أفضل… أنت السبب…”
كأنهم قضاة يصدرون أحكاماً قاسية، وسجّانون ينفذون العقوبة في اللحظة ذاتها.
ومعاقبة النفس لا تعني دائماً الألم الجسدي أو الانعزال الحسي، بل قد تكون على شكل حرمان من الفرح، من الراحة، من الصفح عن الذات.
إنها تلك اللحظة التي تمنع فيها نفسك من الابتسام لأنك “لا تستحق”. أو حين تتجاهل إنجازاً صغيراً حققته لأن عقلك يذكرك دائماً بما لم تحققه.
لكن، ماذا لو أن هذا العقاب المستمر هو الذي يطيل عمر الإحباط؟
ماذا لو أن الصفح عن النفس ليس ضعفاً، بل بداية الخلاص؟
الحياة، في حقيقتها، ليست مسابقة ضد الآخرين، بل رحلة مع الذات.
وكلما كنا قساة على أنفسنا، كلما فقدنا القدرة على مواصلة السير.
الطريق طويل، ولا يمكن أن نقطعه ونحن نحمل على ظهورنا حقيبة مليئة بالأحكام الجائرة ضد ذواتنا.
فلنجرب، لمرة واحدة على الأقل، أن نكون أصدقاء أنفسنا لا جلاديها.
أن ننظر في المرآة، ونقول:
“أخطأت، نعم… لكني أتعلم، وأستحق فرصة جديدة.”
لعل الصفح عن النفس هو أجمل انتصار يمكن أن نحققه، حين يفشل كل انتصار آخر.
وفي سكون الليل، حين تخفت الأصوات وتغفو المدن، تبقى داخلي همسات العتب مستيقظة.
أجلس مع نفسي لا كقاضٍ أمام متهم، بل كصديق أمام صديقه المتعب.
أخبرها أن الحرب التي نخوضها ضد ذواتنا تستنزف أعمارنا، وأن الوقت قصير جدًا لنضيعه في خصومة مع أنفسنا.
أقترح عليها أن نزرع مكان الأسى بذورًا لشيء جميل، وأن نعلّم القلب كيف يصفح، وأن نمنح الروح فرصة لتسامح ذاتها.
فربما، حين نتعلم أن نحب أنفسنا بصدق، تغفر لنا الأيام ما لم نغفره نحن لأنفسنا من قبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.