مجتمع

في بلدٍ يُقال عنه جميل، يموت الناس بهدوء

ضربة قلم

لا يُقتلون برصاص ولا يُذبحون بسكاكين، بل يُنسون بالتقسيط، ويُقصَون من المشهد كما تُمسح علامات الطباشير عن سبورة قديمة.
يموت الفقير حين يُغلق الباب في وجهه داخل مستشفى عمومي، ويُطلب منه أن يشتري “السيروم” من صيدلية تبعد عشر كيلومترات عن أنين زوجته الحامل.
يموت حين يرى ابنه يحمل محفظة بلا كتب، ويجلس في فصلٍ بلا مقاعد، يدرّس فيه معلمٌ لم يتقاضَ راتبه منذ شهرين.
في هذا الوطن، لا تحتاج أن تُتهم في ملف فساد حتى يُدمر مستقبلك، يكفيك فقط أن تولد في الهامش، حيث لا ماء ولا طريق ولا صوت يسمعك، إلا إن أحرقت جسدك.
يولد الطفل هنا دون شهادة ميلاد، يكبر دون هوية، يموت دون أثر. تموت أحلامه قبل أن يتهجى كلمة “مستقبل”، وتُدفن رغبته في التعلم داخل برميل ماء بلا غطاء، في زاوية “دوار” يبعد سنوات ضوئية عن العاصمة.
في هذا البلد، تبكي الأمهات بحرقة لا تعرفها أو تصلها الكاميرات. امرأة تنام في السابعة مساءً لأن لا ضوء في بيتها، و”الكانون” أطفأته الرياح، والبطون الصغيرة لا تعرف كيف تحاور الجوع إلا بالبكاء.
الآباء ينهارون بصمت، ينظرون إلى أطفالهم دون أن يعرفوا بماذا يعدونهم. يعرفون فقط أنهم لا يستطيعون منحهم شيئًا، لا لباس العيد، ولا درهمًا للجيب، ولا حتى فكرة عن الأمل.
هنا، كل شيء مؤجل: العدالة، التعليم، الكرامة، والفرص.
المحظوظون هم من فروا بجلودهم وغامروا وركبوا البحر وسلموا ووصلوا، والمساكين هم من ما زالوا يؤمنون أن الغد قد يحمل خبزًا أكثر، لا أكثر.
الوطن لا يكره أبناءه، لكنه أيضًا لا يسأل عنهم. لا يصغي إلا حين تشتد الضجة. والناس تعبوا من الصراخ… فاختاروا أن ينتظروا في صمت.
تمامًا كما ينتظر الفقير في طابور الدعم، والعامل في طابور العقد، والمريض في طابور الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.