في بيان تنديدي حول تدبير الحركة الانتقالية الوطنية لهيئة التفتيش والتأطير والمراقبة: حين تصبح الحركة الانتقالية نفسها بحاجة إلى حركة تصحيحية!

ضربة قلم
توصلنا من السكرتارية الوطنية للمفتشات والمفتشين الكونفدراليين، التابعة للنقابة الوطنية للتعليم بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ببيان تنديدي حول تدبير الحركة الانتقالية الوطنية، لهيئة التفتيش والتأطير والمراقبة والتقييم برسم سنة 2026.
والحقيقة أن قراءة هذا البيان، لا تترك القارئ أمام مجرد خلاف نقابي عابر، حول نتائج حركة انتقالية، بل تضعه أمام أسئلة أكبر بكثير: كيف يمكن لحركة وطنية يفترض أن تُبنى على الشفافية وتكافؤ الفرص والاستحقاق أن تُعلن نتائجها، ثم تظهر نتيجة ثانية مختلفة عنها؟ ومن يتحمل مسؤولية الخطأ،عندما يصبح الموظف هو من يدفع ثمنه؟
هنا بالضبط تكمن المسألة.
فالوزارة، بحسب البيان، بررت النتيجة الثانية بوجود «أخطاء مادية». ولا أحد يمكنه أن يعترض على تصحيح الخطإ الإداري، بل إن تصحيح الأخطاء، واجب لا فضل فيه. لكن السؤال الحقيقي هو: من يُصلح الخطأ، ومن يدفع ثمنه؟
إذا كان الخطأ من الإدارة، فمن غير المنطقي أن يتحول الموظف الذي استفاد من نتيجة رسمية معلنة، إلى متضرر منها، فقط لأن الإدارة اكتشفت لاحقاً، أنها أخطأت في تدبير العملية.
بمعنى أوضح: لا يمكن أن يكون الموظف مسؤولاً عن خطإ لم يرتكبه.
والأكثر إثارة للانتباه، هو ما يشير إليه البيان، من إلغاء استفادة عدد من المفتشات والمفتشين، بعد إعلان النتائج الأولى، وظهور مناصب جديدة، لم تكن موجودة ضمن المناصب المعلن عنها في البداية.
وهنا لا يعود الأمر مجرد «خطإ مادي» بالمعنى التقني للكلمة.
نحن أمام سؤال يتعلق بالثقة في النتيجة نفسها.
لأن الحركة الانتقالية، ليست مسابقة في التخمين، ولا مباراة في انتظار النسخة النهائية. إنها قرار إداري تترتب عنه أوضاع مهنية وأسرية واجتماعية. والمفتش الذي يبني على نتيجة معلنة ترتيباته المهنية والعائلية، لا يمكن أن يُطلب منه ببساطة أن يتعامل مع النتيجة الجديدة، وكأن شيئاً لم يحدث.
النتيجة المعلنة ليست مجرد رقم على ورقة؛ إنها حياة أشخاص.
ومن هنا تأتي أهمية ما سماه البيان «الحركة التعديلية».
فالخطر في هذه الممارسة، طبقا للوقائع التي أوردتها السكرتارية، لا يكمن فقط في تغيير أسماء أو مناصب، وإنما في خلق سابقة، مفادها أن النتيجة التي أعلنتها الإدارة، يمكن أن تصبح قابلة لإعادة النظر بعد صدورها.
وهذا يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري:
متى تنتهي الحركة الانتقالية؟
هل تنتهي لحظة إعلان النتائج الرسمية؟ أم تبقى مفتوحة إلى أن تنتهي الإدارة من مراجعة حساباتها؟
إذا كان التصحيح ضرورياً، فهناك آليات واضحة لذلك: الطعون، التظلمات، دراسة الحالات المتضررة، ثم إنصاف من ثبت وقوع الضرر في حقه.
أما أن تتم معالجة خطإ إداري بإنتاج متضررين جدد، فهذه ليست معالجة للمشكل، وإنما نقل للمشكل من مكتب إلى مكتب ومن موظف إلى موظف.
والأخطر من ذلك كله، هو غياب الوضوح بشأن الحصيص والمناصب الشاغرة والمعايير المعتمدة في توزيعها.
فالشفافية لا تعني فقط إعلان النتائج.
الشفافية تبدأ قبل النتائج.
من أين جاءت المناصب؟ كيف وُزعت؟ ما هو الحصيص؟ وما هي القاعدة التي جعلت مفتشاً يستفيد بينما لا يستفيد آخر يوجد في الوضعية نفسها؟
هذه الأسئلة، ليست ترفاً نقابياً، وليست محاولة للتشويش على عمل الإدارة. إنها أسئلة مشروعة، كلما تعلق الأمر بقرار وطني يمس المسار المهني لمئات الموظفات والموظفين.
ثم هناك نقطة أخرى بالغة الأهمية في البيان، تتعلق بمفتشات ومفتشي التوجيه والتخطيط والشؤون المالية، الذين تطالب السكرتارية بتمكين الراغبين منهم من مناطق تربوية، تنزيلاً لمقتضيات النظام الأساسي.
وهذه النقطة تحديداً ،تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الحسابات الظرفية، لأنها تطرح سؤالاً أكبر: هل النظام الأساسي مجرد نص جميل يُستشهد به عند الحاجة، أم أنه قاعدة ملزمة ينبغي أن يجد الموظف أثرها في واقعه المهني؟
إذا كانت المقتضيات النظامية تمنح حقاً أو تتيح إمكانية معينة، فإن المطلوب هو تنزيلها بوضوح وعدالة، لا تركها معلقة بين النص والتأويل والممارسة.
إن ما تطالب به السكرتارية في نهاية المطاف، ليس امتيازاً خاصاً بالمفتشين، وإنما شيء بسيط جداً:
قواعد واضحة، معايير معلنة، نتائج مستقرة، وإنصاف المتضررين.
وهذه ليست مطالب ثورية في حد ذاتها؛ بل هي الحد الأدنى الذي يفترض أن تقوم عليه الإدارة الحديثة.
لكن ربما يكون الجانب «الثوري» الحقيقي في هذا البيان، هو أنه يرفض أن يتحول الموظف إلى الحلقة الأضعف، في سلسلة الأخطاء الإدارية.
فالخطأ الإداري، يمكن أن يقع.
لكن تحويل الخطإ الإداري إلى حق مكتسب للإدارة في إعادة ترتيب مصائر الموظفين، هنا تبدأ المشكلة.
ولذلك فإن الرسالة الأقوى، التي يمكن أن تُستخلص من البيان هي:
صححوا أخطاءكم، نعم… ولكن لا تجعلوا المفتشين يدفعون ثمنها.
فالعدل الإداري، لا يعني فقط أن نصحح الخطأ، وإنما أن نصححه دون أن نصنع ظلماً جديداً.
وإذا كانت الوزارة، تريد فعلاً أن تنهي هذا الملف بأقل قدر من التوتر، فإن الطريق يبدو واضحاً: كشف المعايير والمناصب والحصيص، توضيح أسباب التعديل، جبر ضرر المتضررين، وعدم المساس بمن استفادوا من نتائج رسمية معلنة، إلا وفق قواعد واضحة ومعلومة للجميع.
أما ترك الأسئلة معلقة، فسيجعل الحركة الانتقالية نفسها، تتحول إلى ملف مفتوح على مزيد من الاحتجاجات والطعون والتوتر.
وفي النهاية، فإن المفتشات والمفتشين، لا يطلبون معاملة خاصة.
إنهم يطلبون فقط أن يعرفوا القواعد التي لعبوا وفقها، وأن لا تتغير قواعد اللعبة بعد إعلان النتيجة.
وهذا، في دولة المؤسسات، ليس مطلباً مبالغاً فيه.
إنه ببساطة: حق في الوضوح، وحق في الإنصاف، وحق في أن تكون الكلمة الأخيرة للقاعدة لا للمفاجأة.




