دفاتر قضائية

في حضرة الرشوة… سقطت هيبة القضاء

ضربة قلم

في واحدة من أكثر المحاكمات إثارة للجدل في مشهد العدالة المغربي، أنهت غرفة الجنايات المكلفة بجرائم الأموال بالرباط أولى فصول قضية أصبحت تُعرف إعلاميًا بـ”ملف بيع الأحكام القضائية”، والتي هزت أروقة القضاء وأربكت الرأي العام منذ انفجارها أواخر سنة 2023.
16 متابعًا، بينهم من يفترض أنهم حماة القانون وحراس العدالة: قضاة، محامون، موثقون، رجال أعمال وموظفون… وجدوا أنفسهم على قفص الاتهام في قضية تداخل فيها المال بالسلطة، واستُعمل فيها النفوذ لتوجيه قرارات كان يُفترض أن تصدر باسم القانون.
وجاءت الأحكام متفاوتة، لكن الرسالة كانت واحدة: لا أحد فوق الشبهات. فالقاضي الرئيسي في الملف، والذي اعتُبر العقل المدبر للشبكة، حُكم عليه بثلاث سنوات حبسا نافذا، في حين تلقى قاضٍ آخر حكماً بسنتين، إحداهما نافذة. كما أدينت أسماء أخرى من المحامين والموثقين بأحكام تفاوتت بين السجن النافذ والموقوف التنفيذ، بينما نال رجل الأعمال الملقب بـ”صاحب اللامبورغيني” سنة نافذة، في إشارة رمزية لحجم النفوذ المالي الذي ظل يختبئ خلفه بعض المتورطين.
المحاكمة، التي تخللتها جلسات ساخنة ومواجهات غير مسبوقة، بلغت ذروتها حين مثلت أمام المحكمة الزوجة السابقة للقاضي المتهم، المرأة التي فجرت الملف من أساسه عبر تسجيلات صوتية سلمتها للسلطات، كاشفة النقاب عن شبكة من العلاقات المريبة والتدخلات المظلمة في مسارات العدالة. ولم تتردد في اتهام أبنائها أنفسهم بالضلوع في عمليات الوساطة واستغلال النفوذ، في مشهد عائلي لا يخلو من الدراما المرة.
التحقيقات، التي قادتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة، امتدت لأشهر طويلة وشملت تحريات دقيقة، خبرات على الأجهزة الإلكترونية، وتتبع لحسابات مصرفية وتحليل للمكالمات والتسجيلات. ومع توالي المعطيات، اتضح أن الفساد لم يكن حالة فردية بل بنية مترابطة، تتوزع فيها الأدوار بين من يصنع القرار ومن يبيعه، ومن يدفع الثمن لشراء المصير القضائي على المقاس.
وبحسب ما راج في الأوساط القضائية، فقد طالت التلاعبات ملفات حساسة، من بينها حادثة سير فاخرة بطلتها سيارة “لامبورغيني”، كانت أول خيط كشف المستور. القضية كشفت أيضًا عن تدخل وسطاء لإعادة هندسة الأحكام وتعديل مسارات القضايا بطريقة لا تليق إلا بعالم العصابات.
أما التهم، فكانت بحجم صدمة الرأي العام: الارتشاء، استغلال النفوذ، تكوين شبكة إجرامية للتأثير على قرارات قضائية، وهي تهم جعلت من هذا الملف سابقة سوداء في سجل القضاء المغربي، وناقوس خطر حول من يتخذون من منصة الحكم بوابة للصفقات.
ورغم إسدال الستار على الفصل الأول، فإن تداعيات هذه المحاكمة لن تتوقف عند حدود قاعة الجلسات. فقد أعادت طرح سؤال الثقة في العدالة، وفتحت أعين المواطنين على مدى قابلية المنظومة القضائية للاختراق حين تتقاطع المصالح وتتداخل الصلاحيات، وتُشترى الأحكام في سوق بلا ضمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.