في حضرة الولاء… تُفصَّل المناصب وتُقصى العقول

ضربة قلم
في المغرب، تعرف كيف تكافئ الولاء وتصنع الموالين، هناك مناصب لا تُعلن عنها مباريات، ولا تطرقها السير الذاتية. مناصب تُمنح كما تُمنح “الطَرَقات على الكتف” في غرف مغلقة: مكافأة على الصمت، أو تذكرة عبور لمن أتقنوا لعبة “نعم، سيدي” في وجه هذا أو ذاك.
نتحدث عن الوظائف العليا، تلك التي يُفترض أن تكون معقل الكفاءة والجدارة، والتي تتحول في كثير من الحالات إلى مجرد هبات تُمنح للموالين، وفضلات تُلقى للمتملقين.
كثير من هؤلاء يُعيّنون بمرسوم، دون أن يُسألوا عن إنجاز، أو يُحاسَبوا عن فشل. فترى أحدهم ينتقل من رئاسة مؤسسة إلى أخرى، كأن المغرب خالٍ من الكفاءات. أما السير الذاتية؟ فهي ثانوية. الأهم أن تكون “مرضيًّا عنك”، أو أن تكون قد خَدَمت طويلاً في الظل، أو عرفت من أين تؤكل كتف التعيينات.
والمأساة الحقيقية تكمن في الأسماء التي تُقصى بصمت، لأن ضميرها لا يسمح لها بأن تبيع رأيها، أو تُزيّن الخطأ، أو تُشارك في طقوس الخنوع الإداري. دكاترة، شعراء، مثقفون، أساتذة جامعيون يُركنون في الزوايا، لا لأنهم غير أكفاء، بل لأنهم أكثر كفاءة من أن يُطَوّعوا.
خذ مثلًا الشاعر والدكتور حسن نجمي، أول باحث مغربي متخصّص في فن العيطة، الذي جمع بين الإبداع الشعري والبحث الأكاديمي العميق في تراثنا الموسيقي الشعبي. شخصية ثقافية رصينة وعلمية من الطراز الرفيع، لم يجد مكانه في مؤسسات القرار الثقافي أو حتى السياسي، رغم إسهاماته المعتبرة، لأنه لم يرضخ لقواعد الولاء الحزبي الزائف أو للانبطاح الإداري. حسن نجمي لم يكن مجرد شاعر، بل رائد في توثيق وعرض التراث الأصيل، لكنه ظل مهمشًا، كما الكثيرين ممن اختاروا الاستقلالية الفكرية على المنصب.
وإن شئت مزيدًا من السخرية، فانظر إلى من يشغلون الآن مناصب ثقافية حساسة: بعضهم بالكاد يُركّب جملة، لكنه بارع في ترديد كلمات المديح وحفظ صور البروتوكول. هؤلاء لا يزعجون أحدًا، بل يُجمّلون الرداءة، ويمنحون الغلاف الثقافي لـ”صناعة الركود”.




