الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

في حوار مع صانعة المحتوى غزلان، صاحبة قناة “بنت المغرب”: من متابعين إلى شركاء في معركة الذاكرة الرقمية

أجرى الحوار: محمد صابر

من بين صُنّاع المحتوى المغاربة الناجحين في فضاء اليوتيوب بأرض المهجر، حيث تتقاطع الشاشة الصغيرة، مع قضايا كبرى تتجاوز حدود الطبخ والوصفات، نستضيف اليوم اسمًا، بصم حضوره بهدوء، لكنه خلق حوله نقاشًا واسعًا، ويتعلق الأمر بـ غزلان بنت المغرب، صانعة محتوى مغربية مقيمة ببلجيكا.

غزلان ليست مجرد “يوتيوبر طبخ”، كما قد يوحي التصنيف السريع، بل هي نموذج لصانعة محتوى، جعلت من المطبخ بوابة للهوية، ومن الوصفة مدخلًا للنقاش الثقافي، ومن الفيديو مساحة لإعادة طرح سؤال الانتماء في زمن رقمي سريع ومتشابك.

لكن ما يميز تجربتها أكثر من غيرها، ليس فقط طبيعة المحتوى الذي تقدمه، بل الطريقة التي أعادت بها تشكيل العلاقة بينها وبين متابعيها. فهؤلاء لم يعودوا في خطابها مجرد “مشتركين” أو أرقام داخل منصة رقمية، بل تحولوا تدريجيًا إلى شركاء في الفكرة، وفي النقاش، وفي حمل همّ الدفاع عن التراث المغربي كما تراه وتعيشه.

في عالم اليوتيوب، حيث يُقاس النجاح غالبًا بعدد المشاهدات ونسب التفاعل، اختارت غزلان مسارًا مختلفًا: مسارًا تُبنى فيه القناة كمساحة حوار حي، تتقاطع فيه التجربة الشخصية مع الذاكرة الجماعية، ويصبح فيه المتابع جزءًا من صناعة المحتوى لا مجرد مستهلك له.

ومن خلال هذا الحوار، تفتح غزلان نافذة على تجربتها بين الغربة والهوية، بين الطبخ كفن يومي، والطبخ كحامل للرموز، وبين صانعة محتوى بدأت بشغف بسيط، لتجد نفسها في قلب نقاش أوسع مما كانت تتوقع.

إنه ليس مجرد حديث عن قناة يوتيوب… بل عن علاقة جديدة تتشكل بين صانع المحتوى وجمهوره، حيث يذوب الحد الفاصل بين “من يُنتج” و”من يتلقى”، لصالح مساحة مشتركة قوامها التفاعل، والانتماء، وإعادة تعريف معنى المشاركة الرقمية.

س: بداية، من هي غزلان بنت المغرب؟ وكيف تقدمين نفسك للمتابعين؟
ج: أقدّم نفسي، وأفضل أن يُنادى عليّ “غزلان بنت المغرب”، لأن هذا الاسم ليس مجرد لقب، بل هو هوية وانتماء قبل أي شيء آخر. أنا مواطنة مغربية عادية، مقيمة في الديار البلجيكية، أعيش تفاصيل الغربة، مثل كثير من أبناء الجالية، لكن قلبي وعقلي وروحي دائمًا في المغرب.

أنا امرأة بسيطة، محبة لبلدها وملكها، وفخورة بشكل كبير بالتراث والتاريخ المغربيين، ليس فقط كإرث نعتز به، بل كجزء من شخصيتي اليومية. أحمل معي المغرب في تفاصيل حياتي هنا: في طريقة كلامي، في طبخي، في اختياراتي، وحتى في القيم التي أؤمن بها.

الغربة علمتني شيئًا مهمًا: أن الهوية لا تُورث فقط، بل تُعاش وتُدافع عنها. لذلك، لم يكن تقديمي لنفسي يومًا منفصلًا عن كوني مغربية، لأنني ببساطة أرى أن كل مغربي في الخارج هو سفير لبلده، سواء اختار ذلك أم لا.

“غزلان بنت المغرب” هي انعكاس لهذه القناعة: امرأة عادية، نعم… لكنها ترفض أن تكون محايدة عندما يتعلق الأمر بتاريخ بلدها وتراثه.

س: كيف بدأت علاقتكِ باليوتيوب؟ وهل كان الأمر صدفة؟
ج: بدأت علاقتي باليوتيوب سنة 2010، ولم يكن ذلك صدفة، كما قد يظن البعض. في تلك الفترة، كنت أعيش يومياتي في بلجيكا، وأشعر بحنين كبير، لكل ما هو مغربي، خاصة التراث والمطبخ، لأنهما بالنسبة لي ليسا مجرد تفاصيل ثانوية، بل جزء من الهوية والذاكرة.

منذ البداية، كنت أعشق التراث المغربي بكل تجلياته، وخصوصًا المطبخ، لأنه لغة عالمية، يمكن من خلالها التعريف بثقافتنا دون الحاجة إلى ترجمة. كان هدفي بسيطًا جدًا: أن أُعرّف بالمغرب، كما أعرفه أنا، كما عشته، وكما ورثته عن عائلتي.

كنت أشارك وصفاتنا التقليدية مع زملائي في العمل، ومع معارفي هنا في بلجيكا، وأحكي لهم قصص الأطباق، وأصولها، والمناسبات التي تُحضّر فيها. ومع الوقت، شعرت أن اليوتيوب، يمكن أن يكون وسيلة أوسع، لنقل هذه الصورة، فقررت أن أبدأ.

لم تكن لدي أي حسابات للمتابعين أو الشهرة، ولم أفكر يومًا في أن يتحول الأمر إلى شيء أكبر. كل ما كان يهمني هو أن أقدّم محتوى صادقًا، نابعًا من حب حقيقي، وأن أُظهر جمال المطبخ المغربي وغناه وتنوعه، بكل عفوية وبنية صافية.

في تلك المرحلة، كنت أرى نفسي فقط كهاوية تشارك شغفها… ولم أكن أتوقع أبدًا أن هذه الخطوة البسيطة ستقودني لاحقًا إلى مسار مختلف تمامًا.

س: هل كنتِ تتوقعين أن يتحول هذا الشغف إلى نوع من “المعركة الرقمية”؟
ج: بصراحة، لم يكن هذا في الحسبان إطلاقًا. عندما بدأت، كنت أتحرك بدافع حب صادق للتراث المغربي، ولم يخطر ببالي أن هذا الشغف، يمكن أن يتحول يومًا إلى ما يشبه “المعركة الرقمية”. كنت أرى اليوتيوب فضاءً للتقاسم والتعريف، لا ساحة للتصحيح والرد والتوضيح.

للأسف، لم أكن أعلم أن هناك من سيستغل هذا الانفتاح، ويأخذ من محتوىنا، ثم يعيد تقديمه بشكل يُنسب فيه تراثنا لغيرنا. في تلك اللحظة، شعرت أن النية الصادقة وحدها لا تكفي، وأن حسن الظن لا يحمي الحقيقة دائمًا. واليوم أقولها بكل صراحة… أنا نادمة، ليس لأنني شاركت ثقافتنا، بل لأنني لم أكن واعية، بما يكفي أن هناك، من قد يستغل هذا العطاء، دون احترام للأصل.

أنا بطبعي لا أحب المشاكل، ولا أبحث عن الصراعات، وكنت دائمًا أبتعد عن أي نقاش يمكن أن يتحول إلى توتر بين الشعوب. لم يكن هدفي يومًا الدخول في جدالات بين الدول، ولا حتى التطرق لمواضيع سياسية، لأنني أؤمن أن الثقافة يجب أن تكون جسرًا لا ساحة صراع.

لكن، ومع تكرار نفس السلوكيات، ومع رؤية تراثنا يُقدَّم بشكل مغلوط أو يُنسب لغير أهله، بدأت أشعر بنوع من المسؤولية، وكأن الصمت أصبح نوعًا من التواطؤ غير المقصود. هنا بدأ التحول… ليس من باب الرغبة في المواجهة، بل من باب الدفاع عن الحقيقة.

كانت هناك لحظة مفصلية، لحظة لم أعد بعدها قادرة على الاكتفاء بالمشاهدة أو التجاهل… لحظة جعلتني أغيّر موقفي بالكامل، وأخرج للحديث، ولو بكلمة حق.

س: في البداية، اخترتِ أسلوبًا هادئًا للتوضيح… ماذا كانت النتيجة؟
ج: نعم، في البداية اخترت أسلوبًا هادئًا جدًا، لأنني بطبعي أؤمن بالحوار والاحترام، وكنت مقتنعة أن التوضيح العقلاني كافٍ لوضع الأمور في نصابها. لذلك كنت أتناول هذه المواضيع باللغة الفرنسية، حتى أصل إلى جمهور أوسع، خاصة في أوروبا، وأحاول شرح الأصول التاريخية للتراث المغربي، بطريقة بسيطة ومحترمة، دون استفزاز أو هجوم.

كنت أظن أن الأمر مجرد التباس أو نقص في المعلومات، وأنه بمجرد تقديم الأدلة والتوضيحات، سيتوقف هذا الخلط. لكن، للأسف، ما حدث كان عكس ذلك تمامًا… بدل أن يتراجع هذا السلوك، بدأ يتوسع بشكل أكبر، وكأن التوضيح الهادئ، فُهم على أنه ضعف، أو على أنه عدم وجود من سيدافع بقوة عن هذا التراث.

مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أن كل يوم يحمل معه محاولة جديدة لنسب عنصر من عناصر التراث المغربي لجهة أخرى: مرة الزليج، مرة القفطان، مرة الكسكس، ثم الأطباق التقليدية، واللباس، وحتى شخصيات تاريخية لها جذور مغربية واضحة. الأمر لم يعد حالة معزولة، بل أصبح نمطًا متكررًا يثير التساؤل.

في تلك المرحلة، أدركت أن الإشكال ليس فقط في نقص المعلومة، بل في طريقة التعامل معها. فالتوضيح الهادئ مهم، لكنه لا يكون كافيًا دائمًا، إذا لم يُواكَب بحزم في الدفاع عن الحقيقة. بدأت أستوعب، أن هناك فرقًا بين الحوار، وبين السكوت غير المقصود الذي قد يُفسَّر على أنه قبول بالأمر الواقع.

لهذا، كان عليّ أن أراجع أسلوبي تدريجيًا، دون أن أفقد احترامي أو قيمي، لكن مع وعي أكبر، بأن حماية التراث تتطلب أحيانًا وضوحًا أقوى، وصوتًا أعلى، حتى لا تضيع الحقيقة وسط الضجيج.

ج: كانت لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها غيّرت كل شيء في داخلي. أتذكرها بدقة، وكأنها حدثت أمس. في تلك الليلة، حوالي الساعة العاشرة مساءً، كنت أشاهد برنامجًا فرنسيًا على اليوتيوب بشكل عادي، دون أي توقع لما سأراه.

فجأة، ظهرت المقدّمة الجزائرية فاطمة العوج، الملقبة بشهرزاد، وهي تقدّم البسطيلة الفاسية المغربية، وكأنها تعود إليهم. في البداية، لم أستوعب الأمر… قلت في نفسي: “مستحيل، ربما فهمت خطأ، ربما مجرد سوء تعبير”. حاولت أن أبحث عن أي تفسير يُطمئنني، لأنني لم أكن أريد تصديق ما يحدث.

لكن مع مرور الدقائق، بدأت الصورة تتضح أكثر، ولم يعد هناك مجال للشك. حينها، شعرت بصدمة حقيقية، صدمة لم تكن فقط بسبب ما قيل، بل بسبب الإحساس، بأن شيئًا عزيزًا يتم سلبه أمام عينيك، وأنت عاجز عن فعل أي شيء.

انهمرت دموعي دون أن أشعر… لم تكن مجرد ردة فعل عاطفية عابرة، بل كانت نتيجة تراكم إحساس عميق بالانتماء. لأن البسطيلة بالنسبة لنا، ليست مجرد طبق يُحضّر في المناسبات، بل هي جزء من ذاكرتنا الجماعية، من تاريخنا، من هويتنا المغربية. هي حكاية عائلات، وأعراس، وتقاليد توارثناها جيلاً بعد جيل.

في تلك اللحظة، أدركت أن الأمر، لم يعد يتعلق بمحتوى أو فيديو عابر، بل بقضية هوية. شعرت أن السكوت، سيكون نوعًا من التخلي، وكأننا نترك جزءًا من أنفسنا يُؤخذ دون أي رد.

تلك الليلة كانت نقطة التحول الحقيقية… اللحظة التي خرجتُ فيها من دور المتفرجة، إلى شخص قرر أن يتكلم، ليس بدافع الصراع، بل بدافع الدفاع عن شيء أؤمن به بصدق.

س: ماذا تمثل البسطيلة بالنسبة لكِ كمغربية؟
ج: بالنسبة لي، البسطيلة ليست مجرد طبق يُقدَّم على المائدة، وليست وصفة، يمكن أن تُختزل في مكونات أو طريقة تحضير فقط. البسطيلة تمثل تاريخًا عريقًا، وتقاليد متجذرة، وجذورًا مغربية ضاربة في عمق الزمن. هي جزء من هويتنا الجماعية، ومن ذاكرتنا الثقافية التي نحملها معنا أينما ذهبنا.

البسطيلة مرتبطة بلحظات خاصة في حياة المغاربة: في الأعراس، في المناسبات العائلية، في الأعياد… هي طبق له رمزية، وله مكانة، وله طقوس في التحضير والتقديم. كل مغربية تعرف أن تحضير البسطيلة ليس مجرد “طبخ”، بل هو عمل فيه صبر، ودقة، وحب، وكأنك تعيدين إحياء جزء من تراثك في كل مرة.

كما أنها تحمل في طياتها قصة المغرب، بتنوعه وتاريخه وانفتاحه، لكنها في النهاية تبقى مغربية في روحها، في طريقتها، وفي هويتها. لهذا، عندما يتم تقديمها بشكل مغلوط، أو تُنسب لغير أهلها، فالأمر لا يُشعرنا فقط بعدم الارتياح، بل يلمس شيئًا أعمق فينا.

لهذا أقول دائمًا: البسطيلة ليست مجرد طبق… بل هي هوية كاملة.
ومنذ تلك اللحظة، شعرت أن من واجبي أن أخرج وأتحدث، ليس من باب الهجوم أو خلق الجدل، بل من باب توضيح الحقيقة، والدفاع عن هذا الموروث الذي نحمله بكل فخر.

س: كيف تردّين على محاولات نسب البسطيلة إلى جهات أخرى غير المغرب؟

ج: بكل صراحة، ما نراه اليوم من محاولات لنسب البسطيلة إلى جهات أخرى، لا يعدو كونه محاولة للسطو الرمزي، على تراث مغربي أصيل. هذا الطبق ليس مجرد وصفة عابرة، بل هو جزء متجذر في الثقافة المغربية، نشأ وتطوّر داخل البيئة المغربية، وتحديدًا في فاس، حيث بلغ درجة عالية من الإتقان والرقي.

البسطيلة تعكس مدرسة مغربية متكاملة في فن الطبخ، سواء من حيث دقة التحضير، أو التوازن الفريد بين المكونات، أو الطابع الاحتفالي الذي يميز تقديمها. هذا العمق لا يمكن أن يكون مستوردًا أو منقولًا، بل هو نتاج تراكم تاريخي داخل المجتمع المغربي.

كل من يحاول اليوم أن يتبنى البسطيلة المغربية أو ينسبها إلى غير أصلها، فهو ببساطة يترامى على تراث مغربي قح، ويحاول إعادة تقديمه خارج سياقه الحقيقي. وهذا لا يغيّر من الحقيقة شيئًا، لأن التراث، لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما عاشه الناس وحافظوا عليه عبر الأجيال.

البسطيلة كانت وستظل مغربية، ليس بالشعارات، بل بالجذور، وبالاستمرارية، وبالهوية التي لا يمكن طمسها أو تحريفها.

س: كيف تحوّلت قناتكِ إلى منصة للدفاع عن التراث؟

ج: بصراحة، هذا التحول لم يكن قرارًا مفاجئًا، بقدر ما كان نتيجة تراكمات. اليوم أنا هنا… أتحدث، أوضح، وأكشف هذه السرقات، أحيانًا بأسلوب كوميدي خفيف، لتبسيط الفكرة، وأحيانًا بحرقة صادقة، عندما يتعلق الأمر بأشياء، تمس هويتنا بشكل مباشر. ومع الوقت، استطعت أن أوصل صوتي لعدد كبير من المغاربة، خاصة في تلك المرحلة، التي كان فيها الموضوع يثير الكثير من الجدل.

في البداية، كما قلت، لم تكن هذه هي نية القناة. كانت قناتي الأولى تحت اسم “ça vient du Maroc”، وقد وصل عدد المشتركين فيها آنذاك إلى حوالي 152 ألف مشترك، وهو رقم لم أكن أتوقعه أبدًا. القناة كانت مخصصة أساسًا للطبخ المغربي، ومشاركة الوصفات والتقاليد المرتبطة به، وكانت الأجواء بسيطة وعفوية جدًا.

المفاجأة بالنسبة لي كانت أن أغلب متابعيني في تلك الفترة، كانوا من الجزائر، وهو ما كنت أعتبره شيئًا إيجابيًا، لأنني كنت أرى في ذلك نوعًا من التقارب الثقافي والتبادل الجميل بين الشعوب. لم أكن أرى أي مشكلة، بل كنت سعيدة أن المطبخ المغربي يُحب ويُتابَع خارج المغرب.

لكن مع بداية الحديث عن هذه القضايا، ومع خروجي بفيديوهات توضيحية، بدأت القناة تأخذ منحى آخر. لم تعد فقط مساحة للطبخ، بل أصبحت منصة للنقاش، للتوضيح، وللدفاع عن التراث المغربي. وهنا بدأت ألاحظ تفاعلًا قويًا من المغاربة، الذين كانوا بدورهم يشعرون بنفس الغضب ونفس الحاجة للتوضيح.

هذا التحول، لم يكن سهلًا، لأنه جاء بثمن. فقدت عددًا من المتابعين، وتغيّر نوع الجمهور، لكن في المقابل، اكتسبت جمهورًا جديدًا يتابعني لنفس الهدف: الدفاع عن الهوية وتوضيح الحقيقة.

يمكنني القول، إن القناة لم تتغير بإرادتي فقط، بل تغيّرت، لأن المرحلة كانت تفرض ذلك. وجدت نفسي أمام مسؤولية، ومع تزايد التفاعل، أدركت أن ما أقوم به، لم يعد مجرد محتوى، بل أصبح رسالة.

س: هل أثّر هذا التحول على عدد متابعيك؟

ج: نعم، بالتأكيد كان لهذا التحول أثر مباشر وواضح على عدد المتابعين، وهذا أمر كنت أتوقعه منذ اللحظة، التي قررت فيها تغيير طبيعة المحتوى. المرحلة التي وصلنا إليها لم تعد تسمح لي بالتفكير بمنطق الأرقام أو الإحصائيات، بقدر ما كانت تفرض عليّ منطق المسؤولية. لذلك، لم يكن هدفي يومًا الحفاظ على نفس الوتيرة أو تجنب الخسارة، بل كان تركيزي منصبًّا على إيصال الرسالة، كما هي، دون تزييف أو مجاملة.

في البداية، ومع تغيير الخط التحريري للقناة ودخولها في مواضيع أكثر حساسية، كان من الطبيعي أن يغادر بعض المتابعين الذين كانوا يبحثون فقط عن محتوى طبخي خفيف أو ترفيهي. بالفعل، فقدت عددًا كبيرًا من المتابعين في تلك المرحلة، وكنت واعية تمامًا أن هذا جزء من الثمن، الذي يجب دفعه عند اتخاذ موقف واضح.

لكن في المقابل، حدث شيء مهم، لم أكن أتوقعه بنفس الدرجة: ظهور جمهور جديد. متابعون جدد وجدوا في هذا المحتوى صوتًا ينوب ويعبر عنهم، أو على الأقل يلامس قناعاتهم وأسئلتهم حول ما يتم تداوله. هؤلاء لم يأتوا فقط من المغرب، بل من أماكن مختلفة، وكانوا يتابعون ليس من باب الترفيه، بل من باب الاهتمام والبحث عن الحقيقة.

ومع مرور الوقت، بدأت أُعيد تقييم معنى “النجاح” بالنسبة لي. لم يعد النجاح يُقاس بعدد المشتركين أو نسب المشاهدة، بل بمدى تأثير الرسالة، وبقدرة المحتوى على فتح نقاش حقيقي، حول موضوع مهم. عندها فقط، أدركت أن خسارة عدد من المتابعين لا تعني الفشل، كما أن اكتساب آخرين لا يعني النجاح المطلق، وإنما المهم هو الاتساق مع القناعة الداخلية.

في النهاية، يمكنني القول إنني خرجت من هذه المرحلة بوعي مختلف تمامًا: لم يعد همي هو نجاح القناة أو فشلها وفق المعايير الرقمية، بل أصبح همي الوحيد أن تصل رسالتي بوضوح، وأن أكون صادقة مع نفسي، قبل أن أكون صادقة مع الجمهور.

س: ماذا عن متتبعيك أو المشتركين في قناتك؟

ج: أنا شخصيًا لا أنظر إلى رواد القناة كمجرد “مشتركات” أو “مشتركين” بالمعنى الرقمي البارد للكلمة، لأن هذا الاختزال لا يعكس حقيقة العلاقة التي تربطني بهم. بالنسبة لي، هم أقرب إلى شركاء في هذا المسار، شركاء في الفكرة، وفي النقاش، وفي الاهتمام المشترك بكل ما يتعلق بالتراث المغربي وهويتنا الثقافية.

هذه القناة لم تُبنَ في فراغ، ولم تُصنع بشكل فردي منعزل، بل تشكّلت مع الوقت من خلال التفاعل المستمر. هناك متابعون يرسلون لي اقتراحات لمواضيع، وهناك من يصحح لي معلومة، وهناك من يشارك تجربته الشخصية أو ذاكرته مع طبق تقليدي أو عادة معينة. هذه التفاعلات جعلت المحتوى يتطور بشكل طبيعي، وكأننا نبنيه معًا وليس بشكل أحادي.

أنا أعتز كثيرًا بهذا البعد التفاعلي، لأنني أعتبره عنصر قوة، وليس مجرد تعليقات عابرة. بل أحيانًا أستمد من بعض المتابعين أفكارًا لمواضيع جديدة، أو زوايا مختلفة للنقاش، وهذا في حد ذاته، يخلق نوعًا من الذكاء الجماعي داخل القناة، ويجعلها مساحة حية وليست مجرد منصة بث أحادي الاتجاه.

كما أنني أقدّر جدًا ما أسميه “الغيرة الإيجابية” التي أراها عند كثير من صديقات وأصدقاء القناة. هذه الغيرة ليست سلبية ولا صدامية، بل هي غيرة نابعة من الحب للتراث المغربي، ومن الرغبة في حمايته وتوضيحه والدفاع عنه، عندما يتم تقديمه بشكل غير دقيق. هذا الإحساس الجماعي بالمسؤولية، هو ما يمنح القناة طابعها الخاص.

وفي كل مرة أرى هذا التفاعل، أشعر أن الموضوع لم يعد مجرد محتوى رقمي، بل أصبح مساحة مشتركة تجمع أشخاصًا من خلفيات مختلفة، لكن يجمعهم اهتمام واحد: التراث المغربي بكل تنوعه وغناه.

ولهذا أقول دائمًا: أنا لا أملك “جمهورًا” فقط، بل أملك شبكة من الناس الذين يشاركونني نفس الهاجس، ونفس الأسئلة، ونفس الحساسية، تجاه ما يُقال وما يُنشر. وهذا بالنسبة لي هو القيمة الحقيقية التي تفوق أي رقم أو إحصائية.

 س: هل كان الدفاع عن التراث خيارًا أم ضرورة؟

ج: في الحقيقة، لم أكن أستيقظ كل صباح وأنا أفكر: اليوم سأدخل “معركة التراث”. الأمر لم يبدأ كخيار مدروس أو مشروع مخطط له منذ البداية، بل كان أقرب إلى سلسلة من المواقف المتتالية، التي فرضت نفسها عليّ بشكل تلقائي.

بدأت الحكاية مع البسطيلة، ثم القفطان، ثم الطاجين، ثم الحايك… ومع الوقت اكتشفت أن القائمة لا تتوقف، وكأن كل فترة تفتح فيها نافذة جديدة لنقاش جديد حول عنصر من عناصر التراث المغربي. في كل مرة كنت أقول: ربما هذه حالة عابرة، ربما سوء فهم، ربما مجرد اجتهاد ثقافي… لكن تكرار المشهد بنفس الطريقة جعل المسألة تتحول من “تعليق عابر” إلى “نمط متكرر”.

هنا بدأ التحول الحقيقي: لم يعد الأمر مجرد محتوى ثقافي أو نقاش عادي، بل أصبح بالنسبة لي، مساحة دفاع عن ذاكرة جماعية تُقدَّم أحيانًا خارج سياقها، أو يتم تبسيطها بشكل يُفقدها جذورها التاريخية.

ومع الوقت، فهمت أن غنى التراث المغربي، بدل أن يكون مصدر اعتزاز فقط، أصبح أيضًا موضوعًا يثير الكثير من الجدل والتأويلات، خاصة في زمن السرعة الرقمية، حيث تنتقل المعلومة أسرع مما يتم التحقق منها.

أما الحديث عن شعارات من قبيل “خاوة خاوة”، فقد اكتشفت أن الواقع أكثر تعقيدًا من أي جملة جاهزة. العلاقات بين الشعوب لا تُختزل في شعار، ولا في مقطع فيديو، ولا في تعليق على منصة. هي مزيج من القرب والاختلاف، من التفاهم أحيانًا وسوء الفهم أحيانًا أخرى، ومن التجارب الفردية التي لا يمكن تعميمها.

لهذا يمكنني القول، إن الدفاع عن التراث لم يكن قرارًا بقدر ما كان استجابة طبيعية لمرحلة معينة، حيث شعرت أن الصمت قد يُفهم بشكل خاطئ، وأن التوضيح -حتى لو كان متأخرًا- أصبح جزءًا من المسؤولية، أكثر منه مجرد اختيار.

وفي النهاية، لم أعد أرى الموضوع كمعركة، بل كمساحة لتصحيح المفاهيم، كلما لزم الأمر، بهدوء حينًا، وبوضوح حينًا آخر، لكن دائمًا بهدف واحد: أن يبقى التراث في مكانه الصحيح، بعيدًا عن الالتباس وسوء الفهم.

س: كيف تنظرين إلى العلاقات بين المغاربة والجزائريين في المهجر؟
ج: في المهجر، الحقيقة لا تُقاس بالشعارات الجاهزة، ولا بالشعارات الرومانسية من نوع “كلنا إخوة” التي تُقال بسهولة في الخطابات، أكثر مما تُعاش في الواقع اليومي.

الأدهى والأمر كذلك، أن هناك أيضًا تأثير قوي لما يُتداول في الإعلام ومواقع التواصل، وهذا ينعكس أحيانًا على شكل توتر صامت أو نقاشات حادة، لا علاقة لها بالحياة اليومية المباشرة. بمعنى آخر، المهجر يكشف الناس كما هم، بعيدًا عن النفاق.

شخصيًا، أنا لا أؤمن بالشعارات الجاهزة، لا “خوا خوا” ولا غيرها. أنا أؤمن بما أراه في الواقع: هناك مسافة تظهر عندما تطغى الأحكام المسبقة. ولهذا أتعامل مع الموضوع ببرودة أكبر، وبقدر كبير من الواقعية، بعيدًا عن أي خطاب عاطفي مفرط.

في النهاية، المهجر ليس ساحة للنفاق المتبادل، بل فضاء يكشف حقيقة العلاقات الإنسانية على طبيعتها، دون أقنعة أو شعارات. هنا، لا تصمد العبارات الكبيرة طويلًا، بينما التفاصيل اليومية وحدها تفضح الصدق من الزيف.

ومن أراد فهم الصورة كما هي، فعليه أن يراقب السلوك قبل الخطاب، وأن ينصت لما يحدث في الواقع لا لما يُقال فوق المنابر. أما تغذية الأحقاد منذ الصغر، فلا تنتج إلا مزيدًا من المسافات بين الناس، وتُعيد تدوير نفس الدوائر المغلقة التي يدّعي البعض أنه تجاوزها… وإياك أعني واسمعي يا جارة.

س: ما هي المصاعب التي واجهتكِ أثناء نشر الفيديوهات دفاعًا عن التراث المغربي؟

بصراحة، هذا السؤال يعيدني إلى فترة لم تكن سهلة إطلاقًا، ولا أحب كثيرًا استحضار تفاصيلها، لكن من المهم أحيانًا أن تُروى كما هي، دون مبالغة ودون تهوين أيضًا.

عندما بدأت في نشر الفيديوهات، التي تتناول موضوع التراث المغربي والدفاع عنه، كنت أظن أن ردود الفعل ستبقى في إطار النقاش العادي: اختلاف في وجهات النظر، تعليقات مؤيدة أو معارضة، وربما بعض الجدل الرقمي، كما يحدث دائمًا على منصات التواصل. لكن ما لم أكن أتوقعه، هو أن يتحول الأمر عند بعض الأشخاص إلى مستوى من التوتر الشخصي والعداء المباشر.

في إحدى الفترات، توصلت برسالة تهديد من طرف شخص لا أعرفه، وقد كانت الرسالة صادمة في حد ذاتها، لأنها لم تكن مجرد انتقاد أو رفض للفكرة، بل وصلت إلى مستوى التهديد المباشر بالمساس بسلامتي الشخصية. في تلك اللحظة، لم يعد الموضوع متعلقًا بمحتوى أو نقاش ثقافي، بل أصبح شعورًا حقيقيًا بعدم الأمان.

بطبيعتي، أنا لست من الأشخاص الذين يبحثون عن التصعيد أو الدخول في صراعات، لكن عندما يتعلق الأمر بالسلامة الشخصية، يصبح من الضروري التعامل مع الأمر بجدية تامة. لذلك، قررت عدم التهاون، وقمت باتخاذ المسار القانوني في بلجيكا، حيث وضعت شكاية رسمية لدى الجهات المختصة، لأنني أؤمن أن أي تهديد من هذا النوع، لا يجب أن يُترك دون متابعة.

إلى جانب ذلك، كان لا بد من اتخاذ إجراءات احترازية في حياتي اليومية. قمت بتركيب كاميرات مراقبة في المنزل، وكذلك في السيارة، ليس لأنني أعيش حالة خوف دائم، ولكن كنوع من الوقاية وإعادة الشعور بالحد الأدنى من الطمأنينة. أحيانًا، مجرد الإحساس، بأنك قمت بما يجب فعله قانونيًا وأمنيًا، يمنحك نوعًا من الهدوء الداخلي.

ما أريد التأكيد عليه هنا، هو أن الدفاع عن التراث أو التعبير عن الرأي، مهما كان موضوعه، يجب أن يبقى داخل إطار النقاش الحضاري. الاختلاف شيء طبيعي، بل صحي، لكن تحويله، إلى تهديد أو استهداف شخصي أمر مرفوض تمامًا.

ورغم هذه التجربة، لم تدفعني إلى التراجع عن ما أؤمن به، لكنها جعلتني أكثر وعيًا وحدودًا في التعامل مع الفضاء الرقمي، وأكثر حرصًا على الفصل بين النقد وبين التجاوز.

كلمة أخيرة:

في النهاية، أود أن أقول إن ما أقدمه اليوم ليس بحثًا عن جدل ولا رغبة في المواجهة، بقدر ما هو تعبير صادق عن قناعة وهوية أعتز بها. لكل شخص الحق في أن يرى الأمور من زاويته، لكن الأهم في كل ذلك، هو أن يبقى الحوار في إطار الاحترام، وأن لا يتحول الاختلاف إلى إساءة أو تهديد.

أنا أؤمن أن التراث، أي تراث، لا يُدافع عنه بالصوت العالي فقط، بل بالوعي، وبالتوثيق، وبالهدوء أحيانًا، وبالوضوح حينًا آخر. وما أتمناه هو أن تبقى منصاتنا الرقمية، فضاءً للتقارب والفهم، لا ساحة للتجريح أو التوتر.

وأخيرًا، شكراً لكم ولكل من يتابعني بوعي واحترام، ويشارك هذا المسار بروح إيجابية… لأنهم في الحقيقة ليسوا مجرد جمهور، بل جنود الخفاء، وجزء أصيل من هذه الرحلة.

في ختام هذا الحوار، ندعوكم لاكتشاف المزيد من محتوى ضيفتنا، عبر قناتها على يوتوب، من خلال الرابط أسفله:

https://youtube.com/@bentelmaghribe738?si=CIQmASmRDbgX2THY

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.