في زمن التغني بالديمقراطية… منع مسيرة ساكنة حي البرادعة يعرّي واقع الحق في السكن بالمحمدية

ضربة قلم
في زمنٍ يُفترض فيه أن يكون الحق في التعبير والتجمع السلمي من أبجديات الممارسة الديمقراطية، تفاجأ الرأي العام المحلي بمدينة المحمدية بمنع السلطات لمسيرة سلمية، كان يعتزم تنظيمها سكان حي البرادعة، للمطالبة بحقهم المشروع في السكن اللائق، وللمشاركة في نشاط حقوقي دعت إليه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع المحمدية، تحت شعار: “الحق في السكن بين الخطاب والواقع”، يوم الأحد 15 فبراير، على الساعة الرابعة والنصف مساء، بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بـ المحمدية.
هذا المنع لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل شكل صدمة جديدة، لسكان حي البرادعة الذين يعيشون منذ سنوات طويلة على هامش سياسات الإسكان، في ظروف توصف بالقاسية وغير الإنسانية، حيث تتراكم المعاناة اليومية بين هشاشة البنايات، وانعدام شروط السلامة، وغياب بدائل حقيقية تضمن كرامة الإنسان وحقه الطبيعي في مأوى يحميه من قسوة الطبيعة وتقلبات الزمن.
لقد كان الهدف من هذه المسيرة، حسب ما أكده عدد من السكان، هو إيصال صوتهم إلى الرأي العام المحلي والوطني، والتعبير بشكل حضاري وسلمي عن مطالبهم المشروعة، والانخراط في النقاش الحقوقي الذي دعت إليه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، من خلال تقديم شهاداتهم الحية عن واقع السكن بالمدينة، والشعارات الرسمية حول التنمية، والعدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق الأساسية.
غير أن قرار المنع جاء ليعيد إلى الواجهة سؤالاً محرجاً: كيف يمكن الحديث عن ديمقراطية محلية، في الوقت الذي يُمنع فيه مواطنون بسطاء من ممارسة حقهم في الاحتجاج السلمي؟ وكيف يستقيم خطاب الحقوق والحريات مع واقع تُغلق فيه الأبواب أمام من لا يملكون سوى أصواتهم ودموعهم وأوجاعهم اليومية؟
اللافت في هذه الواقعة، أن النشاط الذي كان مقرراً لم يكن عملاً فوضوياً ولا تحركاً خارج القانون، بل كان مؤطراً في إطار نشاط حقوقي منظم، داخل فضاء نقابي معروف، وبحضور جمعية حقوقية ذات تاريخ طويل في الدفاع عن الحقوق والحريات. ومع ذلك، تم منع المسيرة التي كان من شأنها أن تمنح الكلمة لأناس صامتين منذ سنوات، وتحول آلامهم الفردية إلى قضية جماعية قابلة للنقاش العمومي.
إن منع ساكنة البرادعة من التعبير عن مطالبهم لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتسم بحساسية السلطات تجاه أي تحرك اجتماعي، حتى وإن كان سلمياً ومحدوداً. وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مفهوم “الاستقرار” الذي يُراد ترسيخه: هل يتحقق الاستقرار بإسكات الأصوات المحتجة؟ أم بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير شروط العيش الكريم؟
لقد كان من المنتظر أن يشكل هذا اللقاء الحقوقي، فرصة لتقاطع الشهادات الميدانية مع التحليل الحقوقي، وأن يتحول إلى فضاء للنقاش العقلاني حول السياسات العمومية في مجال السكن، وحول أسباب تعثر برامج إعادة الإيواء، وحول المسؤوليات المتعددة التي تتقاسمها الجماعات الترابية والقطاعات الحكومية. غير أن المنع حوّل المناسبة من نقاش حول “الحق في السكن” إلى نقاش حول “الحق في الاحتجاج”، ومن سؤال اجتماعي إلى سؤال سياسي وحقوقي بامتياز.
وإذا كان المنع قد حال دون تنظيم المسيرة في شكلها الميداني، فإنه في المقابل ساهم في نقل القضية إلى فضاء أوسع، حيث تحولت الواقعة نفسها إلى موضوع للنقاش والاحتجاج الرمزي، وأصبحت دليلاً إضافياً على الهوة القائمة بين الخطاب الحقوقي الرسمي، والواقع الاجتماعي اليومي.
إن ما حدث في المحمدية، وبالضبط في حي البرادعة، ليس مجرد حدث محلي محدود، بل هو مرآة لوضعية اجتماعية أعمق، تكشف عن اختلالات في تدبير ملفات السكن والهشاشة، وعن حاجة ملحة لإعادة التفكير في العلاقة بين السلطة والمواطن، على أساس الحوار لا المنع، وعلى قاعدة الإنصات لا الإقصاء.
ففي زمن التغني بالديمقراطية، لا يكفي رفع الشعارات ولا ترديد العبارات الرنانة، بل المطلوب هو أن يجد المواطن البسيط أثر تلك الديمقراطية في بيته، في حيه، وفي حقه في التعبير عن معاناته، دون خوف أو تضييق. لأن السكن ليس مجرد جدران وسقف، بل هو عنوان للكرامة الإنسانية، ومقياس حقيقي لمدى صدقية الحديث عن دولة الحقوق والحريات.




