في ضيافة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية.. فضالة تستعيد أحد أبنائها: أحمد حو يفتح من جديد دفتر السجن في حفل توقيع كتابه «الدراس»

ضربة قلم
ليست كل عودة إلى المكان مجرد عودة، فبعضها يحمل في طياته ذاكرة عمر كامل، وأوجاع سنوات، وأسئلة ظلت معلقة في الهواء. والمحمدية، المدينة التي احتضنت طفولة وشباب أحمد حو، تستعيد هذه المرة واحداً من أبنائها، لا في موعد عابر، وإنما في لقاء يستحضر الذاكرة، ويعيد فتح صفحات من تاريخ مغربي، لم يكن سهلاً على من عاش تفاصيله.
وتحتضن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع المحمدية، يوم السبت 12 شتنبر 2026، حفل تقديم وتوقيع كتاب أحمد حو «الدراس»، وذلك بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالمحمدية، بشارع عبد الكريم الخطابي، ابتداءً من الساعة السادسة والنصف مساءً، في لقاء يبدو أقرب إلى موعد مع الذاكرة واستعادة صفحات من الماضي منه إلى حفل توقيع كتاب بالمعنى التقليدي.
أحمد حو، ليس كاتباً اختار السجن موضوعاً لكتاب من خلف مكتبه، وإنما رجل عاش السجن بكل قسوته، واختبر الزنزانة والمحاكمة والحكم بالإعدام، قبل أن يخرج منها حاملاً ذاكرة ثقيلة وتجربة إنسانية وسياسية، جعلته من الأصوات التي اختارت أن تتحدث عن تلك المرحلة، لا من باب استعادة الماضي فقط، وإنما حتى لا تتحول الذاكرة إلى شيء قابل للنسيان.
ابن المحمدية، المزداد بها سنة 1959، اعتُقل سنة 1983 وهو في مقتبل العمر، في سياق سياسي واجتماعي شديد التوتر، ليجد نفسه بعد ذلك، في مواجهة واحدة من أقسى تجارب الاعتقال السياسي، خلال سنوات الرصاص.
لم تكن السنوات التي قضاها خلف القضبان قليلة؛ فقد أمضى أزيد من 15 سنة في السجن، بين 1983 و1998، قضى منها حوالي عشر سنوات وهو محكوم بالإعدام، قبل أن يتحول الحكم لاحقاً إلى السجن المؤبد، ثم يغادر السجن سنة 1998.
خمسة عشر عاماً، ليست رقماً في سيرة رجل؛ إنها جزء من العمر، يُنتزع من صاحبه، ومرحلة كاملة من الحياة، تُعاش خلف الأبواب الحديدية. ولهذا، فإن عودة أحمد حو إلى المحمدية، بعد كل هذه السنوات، تحمل أكثر من دلالة، خصوصاً حين يعود إليها حاملاً كتاباً، يتناول عالم السجن ولغته ورموزه وطقوسه، وهي الأشياء التي لا يمكن، لمن لم يعشها، أن يعرفها بالطريقة نفسها.
في كتابه «الدراس»، يواصل أحمد حو الاشتغال على عالم السجن، من خلال تفكيك لغته الخاصة وتعبيراته ورموزه، وما أنتجته الحياة داخل الزنازين من قاموس ومفردات وإشارات، تكشف جوانب من عالم مغلق ظل لسنوات بعيدا عن أعين المجتمع.
واللافت في تجربة أحمد حو، أن الكتابة بالنسبة إليه ليست مجرد تمرين أدبي، بل وسيلة لاستعادة الإنسان الذي حاولت سنوات السجن، أن تسلبه من نفسه. فالذاكرة هنا ليست حنيناً إلى الماضي، وإنما شهادة على زمن، وعلى أناس مروا من المعتقلات، وعلى تفاصيل، قد تختفي إذا لم تجد من يوثقها ويرويها.
ولعل اختيار المحمدية لاحتضان هذا اللقاء، يمنحه قيمة إضافية. فحين يعود أحد أبناء المدينة إلى المكان الذي انطلقت منه حكايته، بعد رحلة طويلة بين الاعتقال والسجن والحكم بالإعدام ثم الحرية، فإن الأمر، يصبح نوعاً من المصالحة مع المكان والذاكرة معاً.
ومن المنتظر أن يشكل اللقاء مناسبة للاقتراب أكثر من تجربة أحمد حو، ليس فقط باعتباره مؤلفاً، وإنما باعتباره شاهداً على مرحلة من التاريخ المغربي، وفاعلاً في قضايا حقوق الإنسان، وأحد الذين حملوا معهم إلى ما بعد السجن، أسئلة العدالة والكرامة والحق في الذاكرة.
وهكذا، فإن المحمدية ستكون يوم السبت المقبل، على موعد مع أحد أبنائها الذين غابوا عنها طويلاً، لكنهم لم يغيبوا عن ذاكرتها. وسيكون «الدراس»، بما يحمله من دلالات، مدخلاً لفتح دفتر ظل مغلقاً لسنوات، وإعادة قراءة صفحات من السجن والحرية والذاكرة، بصوت رجل عاش التجربة، ولم يكتفِ بالصمت بعدها.
إنه حفل توقيع كتاب، نعم… لكنه أيضاً موعد بين مدينة وابنها، وبين الذاكرة وصاحبها، وبين الماضي وأسئلة الحاضر.




