الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

قارب في عيون الأمهات

ضربة قلم

كانت شمس العصر تميل نحو الغروب، وريح البحر تحمل رائحة الملح الممزوجة بشيء آخر… شيء ثقيل على الصدر.
في حي صغير على أطراف المدينة القديمة، كانت العيون تترقب خبرًا واحدًا: “وصلوا ولا غرقوا؟”
في بيت فاطمة، كانت تجلس قرب النافذة، وشالها القديم يلف كتفيها. بجانبها، طبق فيه خبز ساخن وكأس شاي بالنعناع، تحاول أن تشغل نفسها، لكنها كل دقيقة تنظر إلى الهاتف الموضوع على الطاولة، كأنها تنتظر أن يهتز فجأة ويأتيها صوت ابنها رشيد.
رشيد، ابن الـ 23 سنة، كان حلمه بسيطًا: أن يعمل، أن يشتري بيتًا صغيرًا لأمه، أن يخرج من ضيق الحي. لكن الحي كان مثل قفص… مهما حاولت أن تطير، تجد السقف منخفضًا.
منذ أشهر، لم يعد يتحدث إلا عن “الحراگة”. كانت أمه تظنها مجرد أحلام شباب، لكنه بدأ يبيع أغراضه بصمت: هاتفه، دراجته، وحتى ساعة يد قديمة أهداها له خاله.
ليلة الرحيل، دخل البيت وقال:
– “ماما، غادي نمشي شوية… ملي نرجع غادي نكون راجل، ماشي عالة.”
لم تبكِ أمامه. هزت رأسها فقط، لكنها حين خرج، جلست في الزاوية وبكت حتى بللت الأرضية.
في نفس الوقت، على الشاطئ البعيد، تجمع عشرات الشباب في الظلام. القارب المطاطي كان ينتظر، ورجل قصير القامة يعدّ الركاب مثلما يعدّ بضاعة.
ركب رشيد مع 34 شخصًا آخرين. بينهم نساء، طفلان، ورجل مسنّ يقال إنه هرب من دين ثقيل.
في البداية، كان البحر هادئًا، والليل مظلمًا لكن مطمئنًا. ضحك البعض، صوّر آخرون مقاطع فيديو بهواتفهم. رشيد أخرج صورة أمه من جيبه، نظر إليها طويلاً، ثم أعادها.
بعد أربع ساعات، تغير وجه البحر. الرياح صارت تعوي، والأمواج ترتفع، والماء البارد بدأ يتسرب.
أحد الرجال صاح:
– “المحرك ضعيف! خاصنا نتخلصو من الوزن!”
رموا الحقائب، ثم أحذية، ثم قنينات الماء. لكن الموج كان أسرع.
المرأة الحامل كانت تتشبث بزوجها وهي تصرخ، والطفلان كانا يرتجفان تحت بطانية مبللة.
رشيد حاول تهدئة شاب صغير بجانبه، لكن فجأة، جاءت موجة قوية قلبت نصف القارب.
صرخ الجميع، وتمسكوا بأي شيء. سقط اثنان في الماء، اختفيا قبل أن يصرخ أحد بأسمائهما.
الهاتف الذي كان في جيب رشيد انزلق. حاول أن يمسكه، لكن الموجة التالية غطته بالكامل.
حين رفع رأسه، لم يجد إلا الظلام، وأصوات مختلطة بين بكاء، دعاء، وارتطام الماء.
مرت ساعات لا يعرف عددها. كل دقيقة، كان شخص يختفي. البرد صار يقطع الجلد مثل السكين، والجوع عطش، والعطش جحيم.
مع بزوغ الفجر، لم يبقَ سوى تسعة أشخاص. كانوا يرون الشاطئ في الأفق، لكن كلما حاولوا الاقتراب، سحبهم التيار بعيدًا.
في الحي، كانت فاطمة تسمع أصوات الجيران يتحدثون عن “القارب اللي غرق”. لم تصدق. فتحت الراديو، سمعت المذيع يقرأ الخبر:
“غرق قارب للمهاجرين غير الشرعيين، وإنقاذ خمسة أشخاص، وانتشال عدة جثث… والبقية مفقودون.”
الهاتف لم يرن.
وفي الشاطئ، كان البحر يبتلع كل شيء… إلا صور الأمهات، التي كانت تطفو أحيانًا مع بقايا القارب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.