قاضٍ نزيه وقائد متقاعد.. حين تصبح الجعة أرحم من القانون!

ضربة قلم
ما أروع الحكايات حين تخرج من فم قائد متقاعد، خاصّة إذا كانت ممزوجة بقليل من الجعة وكثير من المرارة، ومطهوة على نار النزاهة التي لم تجد لها لا طاولة ولا مقعدًا في موائد السياسة والإدارة. تعالَ نغوص في هذه القصة الواقعية، لا كمن يبحث عن دروس في الأخلاق، بل كمن يحاول أن يفهم لماذا تظل النزاهة في هذا البلد “شيئا مريبا”، أقرب إلى الشذوذ الأخلاقي منه إلى السلوك الطبيعي.
قائد وقاضٍ وجعة واحدة ووطن مهترئ
يحكي القائد المتقاعد – الذي أصبح يتقن فن الحكي أكثر من أي مسؤول في السلطة – أنه كان رفقة قاضٍ في محكمة الاستئناف. نعم، قاضٍ من أولئك القلائل الذين لا تتوسّط سيرتهم الذاتية عبارة: “مفتوح على كل الاحتمالات المالية”. قاضٍ، كما قال القائد، كان “نزيهًا حتى الغباء”، رجل اختار أن يموت حيًّا بدل أن يعيش مرتشيًا. ومن الواضح أن القائد كان يشعر بنوع من الذنب لصحبته لهذا الرجل، وكأنه يجالس طهرًا يصعب على بني البشر التعايش معه.
كانا في سيارة متواضعة – لا مرسيدس، لا أودي، لا شيفروليه – بل مجرد علبة على أربع عجلات، تليق بقاضٍ نزيه لا يعرف “الصفقات الكبرى”. يدوران بها وسط فراغ المدينة، تلك المناطق التي تعرفها البلدية فقط عندما تفكر في توسيع مطرح النفايات، أو تمرير مشروع تنمية لا يصلح إلا للنهب.
وبينما كانت قناني الجعة تبرد بهدوء خلف الكراسي في ثلاجة متنقلة، التفت القائد إلى القاضي واقترح عليه الذهاب إلى فندق “مصنَّف” لشرب الجعة في ظروف أفضل، حيث تكون الكراسي مريحة، والستائر سميكة تخفي العار، والنادل يعرف جيدًا من يستحق الاحترام ومن يستحق الصمت.
فماذا كان رد القاضي؟
أجاب الرجل بجفاف حارق ولسعة وعي نادرة:
“أنت قائد وقد تتسلم رشوة من أجل أن تغمض عينيك عن نافذةٍ يُنشئها مواطن مسكين، لا ضرر فيها ولا ضرار. أما أنا، فمضطر أن أُدين البريء وأُبرئ الظالم في هذه الحالة، لأن القانون مسطّحٌ وأنا مطالب بتطبيقه كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.”
القانون كعكاز أعمى
آه، كم هو قاسٍ هذا القاضي. يجلد نفسه باسم القانون، ويعترف أن العدالة التي يطبّقها هي مجرد نسخة بيروقراطية من الأخلاق، لا تتجاوز سطور المحاضر ومراسيم الوزراء. رجل يدرك أن براءتك لا تحميك، وأن إدانتك قد تكون مسألة ورق ناقص أو محضر محبوك.
ومع ذلك، ما يزال يرفض أن يأخذ “نصيبه من الغنيمة”. لا يملك مزرعة زيتون، ولا شقة باسمه في طنجة أو في حي النخيل بمراكش، ولا حتى علاقة مشبوهة مع موثّق يضمن له التقاعد بكرامة. هو فقط قاضٍ بسيط، لا أحد يدعوه لحفلات الولاة، ولا يهمس في أذنه أحد بالمعلومة قبل صدور الحكم. يعيش في عزلة لا يزورها حتى الجرذان، لأنه لا يقايض نزاهته لا بزريبة ولا بفيلا من فيلات رؤساء الجماعات.
عن الفساد “المفهوم“
في هذه البلاد، الرشوة ليست مجرد جريمة، بل هي نظام بيئي.
- هناك من يأخذ “مقابل القهوة”،
- وهناك من يأخذ “حلاوة المشروع”،
- وهناك من لا يمد يده، لأنه يمد قدميه في البذخ الرسمي باسم الشفافية.
أترى؟ الرشوة في المغرب ليست دائمًا مالًا، بل أحيانًا منصب، وأحيانًا سكوت، وأحيانًا وعد بتكريم في مناسبة.
ومن قال إن الرشوة تبدأ عندما تدفع مالًا؟ لا يا صديقي، الرشوة تبدأ عندما تصمت عن الظلم، أو تقبل بمنصب لأنك “ماشي بحالهم”، أو توافق على قانون لأنه “يُدار من فوق”، وتبرره بكلمة: “آش غادي ندير؟”.
القائد – في لحظة صفاء أو ذنب أو ربما قلة حيلة – أراد فقط أن يغيّر المشهد: بدل السيارة القديمة، فندق مصنَّف؛ بدل الشرب الخفي، جلسة على أنغام شاشات البلازما؛ بدل الرفقة مع قاضٍ نزيه، ربما ضمير أقل إزعاجًا.
لكن القاضي لم يكن يبحث عن الاسترخاء. كان يبحث عن العدالة في بلد تعب من البحث عنها، فوجدها فقط في ألا يلوث يده… حتى لو تلطخ قلبه بالحزن، وسمعته بالإقصاء، ومكتبه بالبرد.
النهاية التي لا يريدها أحد
ها هو القائد، يحكي الحكاية على أرصفة التقاعد، يتذكّر القاضي كما يتذكّر غلطة لم يرتكبها، لكنه شارك فيها بالصمت. بينما القاضي، على الأرجح، ما يزال يطوف بسيارته في الفراغ، أو ربما طُرد من المنظومة، أو ربما لم يعد أحد يذكره.
في النهاية، ستجد أن القاضي النزيه يعيش وحيدًا، لا يحضره أحد في عيد ميلاده، ولا يتلقّى تهنئة من رئيس الحكومة، ولا يُستدعى إلى برامج تلفزية. لكنك ستجده في ضميرك، يلعنك كلما قبلتَ “كادّو صغير” من مقاول، أو أغمضت عينك على “خروقات تقنية بسيطة”.
أما نحن، فسنواصل ارتشاف ما تيسر: شاي، أو حتى ماء الحنفيات إن اقتضى الحال. فكل شيء قابل للبلع… إلا النزاهة! تلك لا تُشرب، ولا تُهضم، ولا تُسوَّق. طعمها مُرّ، تأثيرها محدود، ولا تمنحك لا نشوة ولا ترقية. هي مثل دواء بلا وصفة: مكروه في الأوساط، ممنوع في المجالس، ومجرَّب فقط من طرف الحمقى أو الأنبياء المنسيين.
ونحن، كما يعرف قراؤنا الأوفياء، نأكل الشوك بينما الآخرون يشربون عصيره! نعم، نبتلع الألم والخذلان، بينما تُفرش أمام من يملك السلطة الطاولات وتُقدّم لهم العصائر والعسل. ونحن، في تلك الزاوية، نتابع المشهد ساخرين أو متألمين، لكننا على يقين بأن اللعبة لا تزال مستمرة، والقاضي النزيه مجرد ضيف شرف في مسرحية الفساد الكبيرة.
ملاحظة أخلاقية في النهاية:
نحن ضد الرشوة، بكل أحجامها: من رشوة “الله يسهل عليك” إلى رشوة “هاك الطيارة”، ونتمنى أن يأتي يوم يصبح فيه القاضي النزيه هو النجم، لا مجرد ظلّ في حكاية قائد متقاعد.
هل نطلب الكثير؟
ربما… لكن لا أحد يُحاكم على أحلامه، أليس كذلك؟




