الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

قانون المحاماة يشعل الغضب بالمغرب… إصلاح للعدالة أم تضييق جديد على “أصحاب البذلة السوداء”؟

ضربة قلم

وسط أجواء مشحونة بالنقاش المهني والسياسي، مرّر مجلس النواب مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة، في خطوة وُصفت من طرف الحكومة والأغلبية، بأنها جزء من ورش تحديث العدالة، بينما اعتبرها عدد من المحامين والحقوقيين محطة تطرح أكثر من سؤال حول مستقبل المهنة وحدود التوافق بشأنها.

ولم يكن النقاش حول هذا المشروع عاديا أو تقنيا فقط، بل تحول خلال الأشهر الماضية إلى مواجهة مفتوحة بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بعدما اعتبر جزء واسع من الجسم المهني أن النص الجديد، لا يتعلق بمجرد تعديلات إجرائية، بل يمس جوهر مهنة، ظلت تاريخيا مرتبطة بالدفاع عن الحقوق والحريات واستقلالية العدالة.

ورغم المصادقة بالأغلبية داخل البرلمان، فإن حالة الانقسام التي رافقت المشروع، كشفت بوضوح أن قطاع المحاماة يعيش مرحلة حساسة، خاصة في ظل تخوفات متزايدة من أن يتحول الإصلاح القانوني، إلى مصدر توتر إضافي، بدل أن يكون أرضية لتقوية الثقة داخل منظومة العدالة.

ومن بين أكثر المقتضيات التي أثارت الجدل، اشتراط الحصول على شهادة الماستر لاجتياز مباراة المحاماة. ففي الوقت الذي اعتبر فيه مؤيدو هذا التوجه أنه يهدف إلى الرفع من مستوى التكوين، وضمان جودة أكبر داخل المهنة، يرى عدد من المحامين الشباب والفاعلين الحقوقيين أن القرار قد يضيق بشكل كبير أمام فئات واسعة من الطلبة المغاربة، خصوصا في ظل محدودية المقاعد داخل مسالك الماستر وما يرافقها أحيانا من اتهامات بعدم تكافؤ الفرص.

كما أثار إحداث معهد خاص بالمحاماة نقاشا موازيا، بين من يعتبره خطوة ضرورية لتأهيل المهنة وفق معايير حديثة، ومن يتخوف من أن يتحول إلى آلية مركزية، قد تزيد من تعقيد شروط الولوج بدل تسهيلها.

أما موقف وزارة العدل الرافض لفتح المباراة أمام خريجي كليات الشريعة أو بعض فئات الموظفين وكتاب الضبط، فقد أعاد النقاش القديم حول طبيعة المهنة، وحدود التخصص المطلوب فيها. فهناك من يرى أن المحاماة تحتاج إلى تكوين قانوني دقيق ومتخصص، بينما يعتبر آخرون أن إقصاء بعض التخصصات بشكل كامل، يطرح تساؤلات حول فلسفة الانفتاح وتكافؤ الفرص داخل المهن القضائية.

وعلى مستوى الممارسة المهنية، حمل المشروع مقتضيات أخرى اعتبرها المحامون ذات أهمية خاصة، من بينها حذف المادة التي كانت تمنع تنظيم الوقفات الاحتجاجية داخل المحاكم، وهي نقطة رآها كثيرون انتصارا رمزيا لحرية التعبير واستقلالية الدفاع، خصوصا أن تاريخ المحاماة بالمغرب ظل مرتبطا بأدوار نضالية وحقوقية تتجاوز مجرد الترافع داخل الجلسات.

كما لقي حذف عبارة “الإخلال بسير الجلسة” من المادة 77 ترحيبا وسط عدد من المهنيين، باعتبارها كانت تُستعمل أحيانا بشكل فضفاض في مواجهة بعض المحامين أثناء ممارستهم لمهام الدفاع، وهو ما كان يثير مخاوف مرتبطة بحرية الترافع وحدود الحصانة المهنية.

وفي المقابل، أثار منع الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة نقاشا واسعا داخل الأوساط الأكاديمية والقانونية، خاصة أن عددا من الأسماء البارزة في تاريخ المحاماة المغربية جمعت لعقود بين الجامعة والمحاكم، وأسهمت في تكوين أجيال من القانونيين والمحامين. ويرى منتقدو هذا المقتضى أن الجامعة، قد تخسر جزءا من الخبرة العملية التي كان يوفرها المحامون الأساتذة، بينما تعتبر الجهات المدافعة عنه أن التفرغ الكامل، يظل ضروريا لضمان جودة الممارسة المهنية.

ومن بين الجوانب التي مرت بهدوء نسبي، توسيع مجالات اشتغال المحامي لتشمل مهام وكيل المهن الرياضية والفنية، وهي خطوة يراها متابعون محاولة لفتح آفاق جديدة للمهنة ومواكبة التحولات الاقتصادية والاحترافية الحديثة.

لكن بعيدا عن تفاصيل المواد القانونية، فإن جوهر النقاش الحقيقي، يبدو أعمق من مجرد بنود تقنية. فالمحامون الذين خرجوا للاحتجاج خلال الأشهر الماضية لم يكونوا، بحسب كثير من المتابعين، يرفضون الإصلاح من حيث المبدأ، بل كانوا يطالبون بأن يتم أي إصلاح في إطار حوار مهني واسع يحفظ كرامة المهنة واستقلاليتها، ويأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المحامي المغربي اليوم.

ذلك أن المحاماة في المغرب، ليست مجرد وظيفة إدارية أو تقنية، بل ظلت دائما جزءا من تاريخ الدفاع عن الحقوق والحريات، ورافعة أساسية داخل منظومة العدالة. ولذلك، فإن أي تعديل يطال هذا القطاع، يظل بحاجة إلى توازن دقيق بين تحديث المهنة والحفاظ على روحها الأصلية، حتى لا يتحول الإصلاح القانوني إلى مصدر انقسام جديد داخل بيت، ظل لعقود يعتبر نفسه “لسان الدفاع” داخل المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.