قانون يعاقب المشككين في نزاهة الانتخابات… لكن من يعاقب الفاعل الأصلي؟

ضربة قلم
ها هو القانون الجديد يُطلّ علينا مزهواً بنفسه، يلوّح بعقوبات ثقيلة ويقول بصوت صارم: “ويلٌ لمن يشكّ في نزاهة الانتخابات!”، وكأن النزاهة باتت طفلة مدلّلة يجب أن نحميها من أعين الناس حتى لا تُصاب بعين الحسّاد.
جميل. لكن السؤال الفلسفي العميق الذي لا يطرحه أحد – لأنه قد يكلّف سنوات من الحبس والغرامة – هو: ومن سيحاكم المخزن إن كذب علينا؟
من سيجرّمه إن وعدنا بالتغيير، ثم عاد إلينا بوزراء من عصر الفحم الحجري، وبرلمان نصفه نائم والنصف الآخر يبحث عن “التفويض”؟
القانون الجديد يُجرّم “نشر أو ترويج أخبار كاذبة تمسّ بنزاهة الانتخابات”.
طيب، وماذا عن “الوقائع الحقيقية التي تمسّ النزاهة نفسها”؟ هل سيُعاقب من نشرها أيضًا لأنها أزعجت النظام العصبي للمخزن؟
في المغرب، نزاهة الانتخابات تشبه Wi-Fi الإدارات العمومية: الجميع يتحدث عنها، لكن لا أحد يلتقط الإشارة.
ومع ذلك، هناك دائماً من يخرج علينا بوجهٍ بشوش ليقول: “الديمقراطية المغربية بخير!”، ثم يُتبعها بابتسامة فيها من الطمأنينة ما يكفي لإقناع الميكروفون فقط.
القانون يقول: “من يروّج محتوى رقمياً يثير الشك في الصناديق يُعاقب.”
لكننا نعرف أن الصناديق نفسها تشك في محتواها قبل أن تُفتح. تعرف مسبقاً من سيفوز، وتتنهد قائلة: “آه لو كانت أصوات الناخبين تُعد كما تُجمع الفواتير!”
والأجمل أن المخزن لا يكتفي بالمراقبين واللجان، بل عنده “جيش من المبلّغين”.
مخبرون رقميون يتربصون بكل تعليق، يلتقطون أنفاس الناس كما تُلتقط الإشارات في الرادار.
يكفي أن تقول “الانتخابات خاصها شوية نزاهة”، حتى تُصنف ضمن قائمة “المؤثرين السلبيين على الإرادة الوطنية”.
يا سادة، النزاهة لا تُحمى بالقانون، بل بالممارسة.
وحرية التعبير لا تُؤمَّن بالغرامات، بل بالثقة في الشعب.
لكن في مغرب المفارقات، الدولة تصنع الغش ثم تجرّم من يفضحه، وتبيع الأمل بالتقسيط الممل.
في النهاية، سيُقال لنا إن القانون جاء “استباقياً” لحماية إرادة الناخبين.
لكن الحقيقة التي يعرفها حتى الحائط الذي تُعلّق عليه البيانات، هي أن إرادة الناخبين تموت كل خمس سنوات… وتُبعث من جديد في نشرات الأخبار الرسمية فقط.
فمن يحاكم المخزن إذن؟
الجواب بسيط وساخر حدّ الوجع: لا أحد… لأن من يملك مفاتيح الصناديق، يملك أيضاً مفاتيح القانون.




