
محمد صابر
قبل أقل من شهرين على الانتخابات التشريعية، يعود أصحاب الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها، وكأن المغاربة فقدوا ذاكرتهم، أو كأن السنوات الخمس الماضية، لم تكن سوى استراحة عابرة، لا تُحاسَب عليها الحكومات.
لكن الناخب لا يعيش داخل البلاغات الرسمية، ولا يتسوق من نشرات الأخبار، ولا يعالج أبناءه داخل المؤتمرات الصحفية، ولا يؤدي فواتيره بالشعارات.
إنه يعيش الواقع… والواقع لا يكذب.
واقع يقول إن القدرة الشرائية تآكلت، وإن البطالة ما زالت تنهش أحلام الشباب، وإن المستشفى العمومي ما يزال يئن، وإن المدرسة العمومية، لا تزال تبحث عن طريقها، وإن المواطن أصبح مطالبًا كل يوم بدفع ثمن أزمات لا يد له فيها.
حكومة الأرقام… ومواطن لا يرى منها شيئًا
كلما ارتفعت الأسعار، قيل للمغاربة إن المؤشرات مطمئنة. وكلما اشتد الغلاء، خرجت الأرقام لتؤكد أن الاقتصاد يتقدم.
لكن السؤال الذي يرفض الجميع الإجابة عنه هو: إذا كان الاقتصاد يتقدم، فلماذا يتراجع المواطن؟
أي قيمة لنسبة نمو لا يشعر بها المتقاعد، ولا الموظف، ولا العامل، ولا الفلاح، ولا الشاب الباحث عن أول فرصة عمل؟
الغلاء… سياسة أمر واقع
أصبحت زيارة السوق الأسبوعية، امتحانًا حقيقيًا للأسر المغربية. فكل أسبوع يحمل مفاجأة جديدة، وكل شهر يفرض تنازلات جديدة.
الخضر، واللحوم، والحليب، والزيوت… كلها تحولت إلى مصدر قلق يومي.
ولم يعد السؤال: “ماذا سنشتري؟” بل أصبح: “ما الذي سنستغني عنه هذه المرة؟”
البطالة… أحلام معلقة
أكثر من مليون مغربي، بدون عمل وفق الأرقام الرسمية، وشباب يقضون سنوات بين الشهادات والانتظار.
وأسر تنفق ما تملك على تعليم أبنائها، ثم تكتشف أن الشهادة، أصبحت مجرد ورقة داخل ملف، يبحث عن وظيفة لا تأتي.
أما الهجرة، فقد تحولت عند كثير من الشباب من خيار إلى حلم، ومن حلم إلى مشروع حياة.
المتقاعدون… سنوات من الخدمة ونهاية لا تليق
إذا كان الموظف يقضي عمره في خدمة الدولة، وهو يحلم بتقاعد، يضمن له حياة كريمة، فإن واقع آلاف المتقاعدين اليوم يقول شيئًا آخر. فبعد عقود من العمل والعطاء، وجد كثير منهم أنفسهم يواجهون موجة غلاء غير مسبوقة، بينما بقيت معاشاتهم شبه جامدة، لا تواكب الارتفاع المتواصل في أسعار الغذاء والدواء والكهرباء والماء والخدمات الأساسية.
لقد أصبح عدد كبير من المتقاعدين يعيشون معادلة قاسية: دخل ثابت، ومصاريف لا تتوقف عن الارتفاع. والأسوأ من ذلك أن أغلبهم بلغ مرحلة عمرية، تزداد فيها الحاجة إلى العلاج والأدوية، في وقت أصبحت فيه كلفة التطبيب، تستنزف جزءًا كبيرًا من معاشاتهم، فيجد كثير منهم أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين العلاج أو تدبير باقي متطلبات الحياة.
ولا يخفى على أحد حجم الاستياء الذي تعبر عنه هيئات وجمعيات المتقاعدين، التي تطالب منذ سنوات بمراجعة أنظمة المعاشات، والزيادة في الأجور التقاعدية، وحماية القدرة الشرائية لهذه الفئة، التي أفنت شبابها في خدمة الإدارة والمؤسسات العمومية.
ويبقى السؤال المؤلم: كيف يُعقل أن يقضي المواطن أربعين سنة أو أكثر في العمل، ثم يجد نفسه عند التقاعد عاجزًا عن مواجهة أبسط متطلبات الحياة؟ وهل هذه هي المكافأة التي ينتظرها من أفنى عمره في خدمة وطنه؟
الفلاحة… حين أصبح الفلاح أول ضحايا الأزمة
ظل القطاع الفلاحي، الذي طالما اعتُبر ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، يعيش سنوات صعبة بفعل توالي موجات الجفاف وندرة المياه وارتفاع كلفة الإنتاج. لكن ما يثير التساؤل هو أن الأزمة، لم تعد تقتصر على الفلاح الصغير، بل امتدت آثارها إلى المستهلك الذي أصبح يؤدي فاتورة الغلاء يوميًا.
فالفلاح يشتكي من ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والأعلاف والمحروقات، والمواطن يشتكي من ارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم، بينما يبقى المستفيد الحقيقي، سؤالًا يطرحه المغاربة بإلحاح.
لقد أصبح القطاع، الذي كان يُفترض أن يضمن الأمن الغذائي للمملكة، يعيش تحديات غير مسبوقة، في ظل تراجع المساحات المزروعة، وتضرر آلاف الفلاحين الصغار، واستمرار الجدل حول السياسات الفلاحية، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الفلاحة التصديرية وضمان توفير المنتجات الأساسية للمغاربة بأسعار معقولة.
نقول هذا، ونؤكد أنه لا يمكن الحديث عن حصيلة أي حكومة دون التوقف عند الأمن الغذائي، لأنه يرتبط مباشرة باستقرار المجتمع وكرامة المواطنين.
فالمغاربة لم يعودوا يتساءلون فقط عن جودة المواد الغذائية، بل أصبحوا يتساءلون أيضًا عن قدرتهم على اقتنائها. فارتفاع أسعار اللحوم، والخضر، والفواكه، والزيوت، ومنتجات الحليب، جعل مائدة كثير من الأسر تتقلص شيئًا فشيئًا، وأصبحت بعض المواد التي كانت تُعد أساسية، تُشترى بكميات أقل أو يُستغنى عنها نهائيًا.
ورغم ما تعلنه الحكومة من إجراءات لدعم بعض القطاعات ومواجهة آثار الجفاف، فإن المواطن، لا يقيس نجاح السياسات بالأرقام والبلاغات، بل بما يجده في السوق، وبما تسمح به قدرته الشرائية.
فالأمن الغذائي، لا يعني فقط توفر المواد في الأسواق، بل يعني أيضًا أن تكون في متناول جميع المواطنين، دون أن تتحول وجبة بسيطة إلى عبء يثقل ميزانية الأسرة المغربية.
ولذلك، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن نجاح السياسات الاقتصادية، إذا كان تأمين الغذاء اليومي، أصبح الهم الأول لشريحة واسعة من المغاربة؟
الصحة… المواطن آخر من يُفكر فيه
حين يمرض المواطن، تبدأ رحلة المعاناة.
البحث عن موعد.
والبحث عن طبيب.
والبحث عن دواء.
والبحث عن سرير.
وكأن المرض وحده لا يكفي، فيضاف إليه امتحان آخر، اسمه المنظومة الصحية.
التعليم… هل أصبح تراجع المدرسة العمومية قدراً أم خياراً؟
إذا كان هناك قطاع، يُقاس به مستقبل الأمم، فهو التعليم. لكن ما يعيشه هذا القطاع في المغرب، يدفع كثيرين إلى التساؤل: هل ما يحدث مجرد تعثر في الإصلاح، أم أن المدرسة العمومية، تُترك لتتراجع سنة بعد أخرى دون رؤية قادرة على إنقاذها؟
لقد تعاقبت الحكومات، وتوالى الوزراء، وتعددت المخططات والاستراتيجيات، بينما ظل مستوى التحصيل الدراسي محل انتقاد، واستمرت الفوارق بين التعليم العمومي والخصوصي في الاتساع، وأصبحت الأسر المغربية، تتحمل أعباء إضافية لتأمين تعليم أبنائها.
وزاد الجدل عندما أُسندت حقيبة التربية الوطنية إلى رجل أعمال اشتهر أساساً، بنجاحه في قطاع الصناعات الغذائية والأعمال، لا في مجالات التربية أو التدريس أو البحث العلمي. وقد أثار هذا التعيين نقاشاً واسعاً، حول معايير إسناد أحد أكثر القطاعات حساسية في البلاد، إذ يرى منتقدون أن تدبير التعليم، يحتاج إلى خبرة تربوية عميقة ورؤية إصلاحية متخصصة، بينما اعتبر آخرون أن الكفاءة في التسيير، قد تكون عاملاً مهماً بغض النظر عن الخلفية المهنية.
وفي الوقت نفسه، أُثيرت في الفضاء العمومي تساؤلات وانتقادات بشأن ملفات تتعلق بشبهات تضارب مصالح وصفقات عمومية مرتبطة بشركات، نُسبت إلى محيط الوزير، وهي قضايا غذّت مطالب متكررة بترسيخ الشفافية، وتمكين المؤسسات المختصة من القيام بأدوارها في التحقق والمحاسبة كلما اقتضى الأمر.
ويبقى السؤال الذي يطرحه أولياء الأمور والأساتذة والتلاميذ معاً: كيف يمكن بناء مدرسة عمومية قوية إذا ظل قطاع التعليم يتصدر النقاش بسبب الجدل الإداري والسياسي، بدل أن يتصدره الحديث عن جودة التعلمات، وتكوين المدرسين، والبحث العلمي، وتكافؤ الفرص؟
فالشعوب التي استثمرت في التعليم، صنعت المستقبل، أما الشعوب التي تعاملت معه كملف ثانوي، فقد دفعت الثمن لأجيال كاملة.
قوانين تثير الجدل
قانون الإضراب أثار احتجاجات واسعة.
ومشروع قانون المحاماة، أدخل الحكومة في مواجهة مع أصحاب البذلة السوداء.
كما أثارت مقترحات تتعلق بمعاقبة نشر أخبار زائفة، بقصد التشكيك في نزاهة الانتخابات نقاشًا واسعًا، بين من يعتبرها حماية للمسار الانتخابي، ومن يخشى أن تؤدي إلى تضييق مساحة حرية التعبير، وفتح الفرصة للتحكم في الخريطة السياسية..
وفي الأنظمة الديمقراطية، تزداد الثقة، كلما اتسع النقاش، لا كلما ضاق.
حرية التعبير… سؤال لا يغيب
لا تزال منظمات حقوقية محلية ودولية، تعبر عن قلقها بشأن أوضاع حرية التعبير، وتدعو إلى ضمانات أوسع لحماية الصحافة والرأي.
ومهما اختلفت المواقف، فإن الديمقراطية تزداد قوة بالنقاش المفتوح، وبالقدرة على تقبل النقد، لا باعتباره خصومة، بل باعتباره جزءًا من الرقابة المجتمعية.
ملفات تنتظر الأجوبة
العقار.
تضارب المصالح.
الصفقات العمومية.
المحروقات.
الاحتكار.
كلها ملفات حضرت بقوة في النقاش العمومي، خلال الولاية الحكومية.
والمغاربة لا ينتظرون كثرة التصريحات، بقدر ما ينتظرون أجوبة واضحة، ومحاسبة فعلية، ونتائج ملموسة.
ثم يعودون…
ها هم يعودون من جديد.
بابتسامات عريضة.
وبوعود أكبر.
وكأن الغلاء، جاء من كوكب آخر.
وكأن البطالة هبطت بالمظلة.
وكأن المستشفيات، والمدارس، والمحاكم، والأسواق، لم تكن تحت مسؤولية من يطلب اليوم ولاية جديدة.
لكن الفرق هذه المرة، أن المواطن يحمل معه، خمس سنوات كاملة من التجربة.
يحمل فاتورة السوق.
ويحمل فاتورة الدواء.
ويحمل قلق الدراسة.
ويحمل هم العمل.
ويحمل ذاكرة لا تمحوها اللافتات الانتخابية، ولا المهرجانات الخطابية.
بل عليكم أولًا أن تجيبوا عن سؤال بسيط:
ماذا تغير فعلًا في حياتهم؟
فإذا كانت الحصيلة ناجحة، فإن المواطن سيمنح صوته عن اقتناع.
أما إذا كانت الوعود أكبر من النتائج، فإن صندوق الاقتراع، سيظل المكان الذي يقيّم فيه الناخب الأداء، لا الخطاب، والإنجاز، لا الشعار.
ذاكرة المواطن
قد ينجح الخطاب في إقناع الناس لساعات، وقد تنجح الحملات الانتخابية في ملء الساحات بالأعلام والشعارات، لكن هناك خصمًا لا يمكن هزيمته… اسمه ذاكرة المواطن.
فهي لا تتذكر عدد المهرجانات، بل تتذكر ثمن الطماطم، وطابور المستشفى، وفرصة العمل التي لم تأتِ، والوعود التي تكررت حتى فقدت معناها.
وعندما يقف المواطن أمام صندوق الاقتراع، فلن يصوت للخطب، بل للحصيلة.
وعندما يجلس الناخب أمام ورقة التصويت، فلن يكون أمامه ملف واحد، بل حصيلة كاملة: غلاء أنهك الأسر، وبطالة أرهقت الشباب، ومستشفيات أرهقت المرضى، ومدارس فقدت بريقها، وفلاحة تتخبط في الأزمات، ومتقاعدون ينتظرون إنصافًا طال أمده. عندها لن يكون السؤال: من سيربح الانتخابات؟ بل: من أقنع المغاربة بأنه يستحق ثقتهم من جديد؟
وقبل أن يتهمنا أحد بالتشاؤم أو بالنظر إلى الواقع من خلال “نظارات سوداء”، لا بد من التأكيد على أن تحميل الحكومة وحدها كامل المسؤولية عن كل ما يعيشه المغرب، سيكون تبسيطًا مخلًا للمشهد. فالحكومة، أيًّا كان لونها السياسي، تشتغل داخل منظومة معقدة، تتداخل فيها مراكز القرار، وتتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والإدارية، وهو ما يجعل هامش المبادرة والإصلاح، محل نقاش دائم بين المتابعين للشأن العام.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بأسماء الوزراء أو الأحزاب، بل بطبيعة النموذج الذي يُدار به الشأن العام، ومدى قدرة المؤسسات على ترسيخ الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص، ومحاربة كل أشكال الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. فهذه الملفات، لا ترتبط بحكومة بعينها، بل تشكل تحديًا بنيويًا يواجه الدولة والمجتمع معًا.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يعفي أي حكومة من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن حصيلتها. فالمواطن عندما يتوجه إلى صندوق الاقتراع، لا يصوّت على التحليلات، بل يقيّم ما عاشه خلال خمس سنوات: هل تحسنت قدرته الشرائية؟ هل وجد أبناؤه فرص عمل؟ هل تطورت المدرسة العمومية؟ وهل أصبح العلاج أكثر كرامة وأسهل وصولًا؟ هذه هي الأسئلة التي يصعب تجاوزها مهما تعددت التفسيرات.
لذلك، فإن الغاية من هذا المقال ليست جلد الأشخاص، ولا توزيع صكوك الإدانة أو البراءة، وإنما دعوة إلى قراءة هادئة وموضوعية لمسار المغرب: أين كنا؟ أين أصبحنا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ فالأوطان لا تتقدم بالشعارات، وإنما بالنقد المسؤول، وبالاعتراف بالإخفاقات قبل الاحتفاء بالنجاحات، وبإرادة حقيقية تجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
قد ترحل هذه الحكومة بعد أسابيع، وقد تأتي حكومة جديدة، وقد تتغير الوجوه والأسماء والشعارات، لكن السؤال الذي يرفض أن يغادر عقول المغاربة، سيظل مطروحاً: هل سيتغير أسلوب تدبير الشأن العام، أم أننا سنكتشف مرة أخرى أن الوجوه تبدلت، بينما بقيت قواعد اللعبة كما هي؟ فالأوطان لا تتقدم بتغيير اللافتات، وإنما بتغيير السياسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعلاء مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. أما إذا بقيت الحلقة تدور في المكان نفسه، فإن الانتخابات لن تكون سوى محطة جديدة في مسلسل قديم، يتغير فيه الممثلون، بينما يبقى السيناريو كما هو.




