الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

قرارك… حين تضع حكمتك في جيب غيرك ثم تسأل: لماذا وقعتُ؟

ضربة قلم

في لحظة صفاء، وأنت ترتشف قهوتك المعتادة صباحًا، قد تتخذ قرارًا شخصيًا ناضجًا، لا تشوبه عاطفة مرتجفة، ولا اندفاع طائش. قرار قد يخص مشروعًا، أو سفرًا، أو حتى شيئًا تافهًا في نظر الناس كشراء حذاء جديد أو قطع علاقة سامة… المهم أنك فكّرت، وقدّرت، ثم حكمت. لكن  -ويا للأسف- لم تقنع نفسك بأن حكمك كافٍ.

فتبدأ سلسلة الاستشارات المجانية، تلك الهواية التي يبدو أننا نتقنها أكثر من قراءة عقود الشغل أو فهم بنود القروض البنكية. ترفع سماعة الهاتف، ترسل رسالة صوتية، تفتح دردشة جماعية، تبحث عن رأي من يبدو أكثر “خبرة”، أو ببساطة، من يبدو أكثر ثقة، فقط لأنه يتكلم بثقة. وها أنت تُدخِل قرارك الصافي إلى مطحنة الآراء، حيث يتم طحنه، تنكيهه، وتغليفه مجددًا حسب “الذوق الجماعي”.

لكن دعنا نسأل بصراحة: من هذا “زيد” الذي نطلب رأيه؟ ومن هذا “عمرو” الذي نُشركه في خصوصياتنا؟
أهو صديق حقًا؟ أم مجرد مستهلك يومي لنصيبه من القيل والقال؟
وهل هو حقًا يريد لك الخير، أم أن الخير الوحيد الذي يعرفه هو أن تبقى واقفًا في مكانك حتى لا يشعر بالتأخر عنك؟

الحقيقة أن كثيرًا من قراراتنا التي كانت ستمضي بخير، تم اغتيالها -نعم، الاغتيال هو الكلمة الأنسب- تحت غطاء “النصيحة“.
ذلك الغطاء الذي يستعمله البعض لإرضاء شعورهم الداخلي بأنهم يتحكمون بك، أو على الأقل، بأنك لا تزال تستشيرهم… وهذا في حد ذاته “انتصار”.

تخيل مثلًا أنك قررت الانتقال إلى وظيفة جديدة، بشروط أفضل، في بيئة صحية أكثر، وبعد تفكير طويل، قررت أن تمضي في الأمر. ثم تقرر -بدافع التواضع أو الحذر-  أن تطلب رأي صديق. فيقول لك بجملة جليدية:
“شوف، من باب التجربة، أنا ما أنصحكش تغيّر… راه الاستقرار مهم دابا!”
وفي لحظة ضعف، تنصت، وتقتنع، وتبقى مكانك… ثم تمر الشهور، وتكتشف أن نفس “الصديق” غادر مكان عمله، و”غادرك” معه.

إننا في كثير من الأحيان لا ننتبه إلى أن الآراء التي نأخذها من الآخرين لا تأتي نقيّة.
إنها مملوءة بتجاربهم، مخاوفهم، عقدهم، وأحيانًا  -ولنكن صرحاء-  غيرتهم. بعض الناس لا يحتمل أن تتجاوزهم، حتى لو كان ذلك في أمر بسيط كإتقانك الطبخ أو تفوّق ابنك في الرسم. الغيرة ليست دائمًا حمراء فاقعة؛ أحيانًا تكون شاحبة، وديعة، متنكرة في شكل نصيحة.

ويا للأسف، نحن من نمنحها الشرعية.
نغض الطرف عن حدسنا، نكبت صوت عقلنا، ونركن إلى ما قاله فلان لأنه “حذرنا”. نحترم رأيه أكثر من احترامنا لقرارنا، ثم نسأل بعدها بدهشة:
“كيفاش وقعت فهاذ الخطأ؟!”
الجواب بسيط: لأنك وضعت حكمتك في جيب غيرك، ثم جلست تنتظر أن يعيدها إليك مغسولة ومعطّرة.
والواقع أنه أعادها مشوّهة، وربما لم يعدها أصلًا.

من المفارقات أن أعمق الأخطاء التي نرتكبها لا تأتي من قرارات متهورة، بل من قرارات جيدة تم التراجع عنها احترامًا لرأي خاطئ.
لذلك، لا غرابة أن ترى أشخاصًا يلومون أنفسهم لا على الفشل، بل على الاستماع لمن لا يستحق الإنصات.

ثم هناك الوجه الآخر من الحكاية:
أولئك الذين لو كان القرار بيدهم، لأعدموك، معنويًا على الأقل.
وهنا لا نتحدث عن كراهية واضحة، بل عن ذلك النوع السري من “العداء الاجتماعي”، حيث يتحول النجاح البسيط -كقرارك بشراء دراجة رياضية جديدة أو الانضمام لنادٍ رياضي- إلى تهديد وجودي لأحدهم. فيبدأ يُحذّرك، وينبّهك، ويخيفك من القادم، لا حبًا في سلامتك، بل خوفًا من أن تتحسن حياتك ولو قليلاً.

والطريف في الأمر أن بعضهم لا يحتاج إلى سبب كبير ليحسدك. قد تكون فقط تبدو مرتاحًا أكثر من المعتاد، أو مبتسمًا صباحًا، أو حتى سعيدًا لأنك شربت قهوتك على الشرفة.
وهذه أسباب كافية لدى البعض ليمنحوك نصيحة قد تُفجّر لك نهارك، وربما قراراتك.

فماذا نفعل إذن؟
هل نتوقف عن الاستشارة؟ لا طبعًا.
لكن لنتعلّم أن نفرّق بين من يستحق أن نُشركه في قرار، ومن يستحق فقط أن نحكي له بعد أن ننفذ.
لنتعلّم أن الثقة في الذات ليست عنادًا، بل احترام لعقلنا وتجاربنا.
ولنفهم أن الحدس أحيانًا أقوى من ألف “نصيحة“، وأن القرار الفردي حين يُصاغ بحكمة، لا يحتاج إلى تصويت جماعي.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو هذه القاعدة الذهبية:
“اسمع الجميع… لكن نفّذ قرارك كما لو كنت وحدك في هذا العالم.”
لأنك في النهاية، ستكون وحدك من يدفع الثمن، أو يقطف الثمار.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.