قصة وطن في الميزان: المغرب يقترض… والمواطن يسدد والفاسد يختفي!

ضربة قلم
في كل مرة يُعلن فيها المغرب عن قرض جديد، نسمع نغمة معتادة: “من أجل دعم التنمية”، “استجابة للتحديات”، أو “تعزيز الاستثمار العمومي”. عبارات براقة لا تُشبع جائعًا، ولا تعالج مريضًا، لكنها تُسكّت الأسئلة، مؤقتًا. لكن، خلف هذه الشعارات، توجد قصة وطن يُقايض مستقبله بديون، يدفع ثمنها المواطن البسيط، بينما المختفون وراء الستار يزدادون ثراءً… ويختفون!
الفصل الأول: الاقتراض فنّ مغربي!
منذ سنوات، أصبح الاقتراض سياسة شبه دائمة. الدولة تُحسن التفاوض على القروض، وتتقن عرض مشاريع تنموية على الورق، لكنها تتعثر غالبًا عند الإنجاز. لا مشكلة، فالحلول جاهزة: قرض جديد لتغطية عجز القرض السابق، وتجميل الميزانية بتقارير محاسبية معسولة، وإقناع المواطن بأن كل شيء “تحت السيطرة”.
لكن الحقيقة أكثر مرارة: أكثر من 1200 مليار درهم كنّا ندين بها حتى نهاية 2023. والخزينة، بدل أن تُصرف على تحسين جودة التعليم والصحة، تُستنزف في خدمة الدين: سداد الأقساط، دفع الفوائد، وتحسين صورة البلاد في بورصات التصنيف الائتماني.
الفصل الثاني: المواطن… بطل الحكاية الغافل
المواطن المغربي لم يوقّع على أي قرض، لكنه المطالب الأول بالسداد. كيف؟ عبر الضرائب غير المباشرة، ارتفاع الأسعار، تقليص الدعم، وتجميد الأجور. هو يدفع كل شيء، ولا يسأل لماذا فُرض عليه أن يُسدد ما لم يستفد منه.
في بعض المدن، قد يُخبرك عابر سبيل أن “فلانًا” بنى عمارات من عائدات صفقة مموّلة بقرض دولي. وفي قرية نائية، ستجد مدرسة مهدّمة شُيّدت بقرض من بنك التنمية. المواطن يرى، يتألم، لكن لا يملك خيارًا سوى الصمت… أو الهجرة.
الفصل الثالث: الفاسد يختفي… ثم يعود بثوب جديد!
المعضلة الأخطر ليست القرض في حد ذاته، بل من يستفيد منه. نُخبة اقتصادية وإدارية تنتمي لما يُشبه “النادي المغلق” للصفقات: مقاولون دائمون، خبراء في العلاقات بدل الخبرة التقنية، سماسرة مشاريع، وبعض الإعلاميين ممن يجيدون تلميع “الرداءة”.
حين يُفتح تحقيق، يختفي أحدهم لفترة. ربما يذهب إلى أوروبا “للراحة”، أو إلى العمرة “للتوبة”، ثم يعود بثوب جديد، واسم مشروع جديد، وقرض جديد.
الفصل الرابع: دولة بلا ذاكرة… أو ذاكرة قصيرة الانتقاء
لا أحد يتحدث عن مصير قروض الأمس. من يتذكر 5 مليارات دولار التي خُصصت لمواجهة الجفاف؟ أو تلك التي قُدمت بعد كورونا؟ أو قروض البنية التحتية التي لم نر منها سوى حفر، وأرصفة تُعاد كل عام؟
كل قرض يُمحى من الذاكرة الجماعية بعد شهر أو شهرين، وكأننا نعيش على طريقة “انسَ وادفع”. أما المؤسسات الرقابية، فتمارس طقسها السنوي: تقارير ثقيلة، توصيات هادئة، ولا أحد يُحاسب.
الفصل الأخير: الوطن في الميزان
نحن لسنا ضد القروض في المطلق، فدولٌ كبرى تستدين أيضًا. لكن القروض التي لا تُثمر إلا ديونًا أخرى، هي لعنة اقتصادية. وعندما يُصبح الفساد هو المستفيد الأكبر من المال العام، بينما المواطن هو الضحية، فنحن لا نتحدث عن اقتصاد… بل عن عبودية مقنّعة.
المغرب بحاجة إلى جرأة سياسية حقيقية: تدقيق شفاف في كل قرض، تتبع دقيق لمصاريفه، وجرأة في محاسبة من ينهب أو يُقصّر. نحتاج إلى تقارير لا تُحفظ في الأدراج، بل تُحوّل إلى محاكمات. نحتاج إلى أن يتحمل الفاسد الدين، لا أن يُحمّل للمواطن.
وإلا فالتاريخ لن يرحم أحدًا، والمغاربة سيتذكرون دومًا أنهم دفعوا ثمن قروض لم يختاروها… ولا استفادوا منها.




