مجتمع

قطارات “لخليع”… حين يصبح التأخير عادة وطنية!

ضربة قلم

كثيرة هي القضايا التي سارت على سكك المحاكم المغربية ضد المكتب الوطني للسكك الحديدية، هذا الكائن العجيب الذي يختصر فلسفة “المغرب الغريب”: أداء في الموعد… وقطار متأخر!
نعم، عشرات الملفات راجت أمام القضاء بسبب تأخيراتٍ أفسدت مواعيد الناس، وضاعت معها فرص عمل، وحفلات زفاف، وحتى جنازات. ومع ذلك، فالمكتب ما زال يسير في الاتجاه نفسه، وكأن شعار المرحلة هو: “نوصلك، لكن على أعصابك!”

ولأن أغلب المغاربة يفضلون الصبر على “وجع الرأس” القضائي، نادرًا ما تجد من يجرّ “القطار” إلى المحكمة. أما القلّة التي فعلت، فقد نالت أحكامًا تتعلق بذعائر مالية مختلفة! ومع ذلك، فإن المكتب يواصل تسيير أموره بوجه “قاصح بحال الفولاذ”، لا يخجل من إعلان مواعيد وهمية يعرف جيدًا أنها لن تُحترم.

تخيلوا معنا المشهد اليومي في محطة القطار: الميكروفون يعلن بكل برود أن القطار “سيتأخر قليلاً”، بينما الركاب يعرفون أن “القليل” في قاموس المكتب يعني نصف ساعة على الأقل، وقد تمتد إلى ساعة ونصف “حسب المزاج والطقس والقدر”!
وفي الخلفية، تقف لوحة إلكترونية لامعة تزيّنها عبارة “ONCF، رحلاتكم في أمان”… وكأن المكتب يطمئننا أنه على الأقل، التأخير سيكون “آمناً”!

أما عن الاسم، فحدّث ولا حرج. فمدير المكتب رجل يُدعى “لخليع”، وهو اسم يثير في المخيلة الشعبية كل ما هو منفلت عن النظام والانضباط. تخيّلوا أن الناس يركبون قطارات يشرف عليها رجل يُعرف في الدارجة بـ”لخليع”، ثم يستغربون إن خرج القطار عن السكة!
كأن القدر قرر أن يمزح معنا، فوضعنا بين أيدٍ “كتخلع” في التسيير، لا ترى في التأخير إلا مجرد “اختبار للصبر الوطني”.

لقد تحوّلت القطارات من رموز للتنظيم والدقة إلى مزيج من العبث الإداري والدراما الواقعية. فالمحطات تعجّ بالوجوه الغاضبة، والركاب يتبادلون النكات السوداء:

– “القطار تأخر؟”
– “لا، هو في عطلة!”
– “واش المكتب ما كيعرفش التوقيت؟”
– “عارفو، ولكن ما كيبغيش يزعجو!”

وحتى حين تصل القطارات، فهي تفعل ذلك بتواضع غريب، كمن يعتذر بلا صوت، ثم تطلب منك أن تشكرها لأنها “جاءت أصلاً”.
لقد صار الركوب في قطارات “لخليع” مغامرة أقرب إلى تجربة روحية، تحتاج فيها إلى إيمان عميق بالقضاء والقدر، واحتياط من القهوة والهدوء والابتسامة الساخرة.

والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية:
هل المكتب الوطني للسكك الحديدية مؤسسة نقل، أم مؤسسة لتدريب المغاربة على الصبر؟
فكلما جلس مواطن في محطة ينتظر قطاره، يكتشف أن تأخره ليس فقط عن المواعيد… بل عن الإصلاح ذاته!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.