الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

قفة الخير على المقاس الانتخابي: عندما تصبح المساعدات بطاقة ترشيح مسبقة الدفع!

ضربة قلم

في هذا الوطن السعيد، يبدو أن العمل الخيري صار بحاجة إلى ترخيص أمني، وموافقة سياسية، ورخصة سير، وربما فحص تقني عند كل رمضان وموسم برد. فقد خرج علينا وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، محذّراً كأننا على وشك تهريب السلاح أو الاتجار بالبشر، من خطورة توزيع قفة رمضان خارج القانون. نعم يا سادة، قفة الزيت والدقيق والعدس باتت شأناً أمنياً يستوجب التدخل العاجل للسلطات، وربما اقتحام المستودعات بـ”كوموندو” من القياد وأعوان السلطة، فقط للتأكد أن العدس لا يخدم أجندة انتخابية ولا يُحرض على خيانة الوطن.

فالعمل الخيري، في عرف الوزير، يجب أن يكون متطهّرا من كل شبهة سياسية، منزّها عن كل نية انتخابوية، كأننا نعيش في جمهورية أفلاطون، حيث النقاء السياسي يفوح من أفواه الأحزاب ويقطر من جيوب الجماعات المحلية. أما الواقع، فهو أمر آخر. في الواقع، نعلم جميعاً أن نصف الجمعيات الخيرية في المغرب تشتغل تحت الغطاء الحزبي، والنصف الآخر فوقه. وإذا أردت أن تستفيد من “كيس دقيق” فعليك أن تكون حاملاً للبطاقة الوطنية في يد، وبطاقة الحزب في اليد الأخرى، ويفضل أن تصطحب معك ثلاثة جيران يشهدون أنك تصوّت كل موسم لمن “يُطعمك من جوع”.

ومع أن الوزير يؤكد أن القانون الجديد – قانون 18.18 – جاء لتكريس الشفافية والنجاعة والحكامة، فإن أول ما يفهمه المواطن البسيط من هذا الكلام هو: “واش غنقدر نوصل للقفة ولا خاصني وساطة من المستشار الجماعي؟”. فالمساطر التي تحدث عنها لفتيت، تلك المتعلقة بالتصريح والتوثيق والمراقبة والمحاسبة، قد تصلح لتمويل محطة نووية، لا لتوزيع كيس شاي في دوار ناءٍ. لكن هيهات، فقد قرر المشرع المغربي أن يحوّل كل نشاط تضامني إلى قضية بيروقراطية بامتياز، فيها من الأوراق والوثائق ما يكفي لإفشال نية الخير في صدر أطيب متبرع.

ثم إن الوزير لم يفوّت الفرصة ليذكرنا بالتوجيهات الملكية السامية، التي أصبحت تسبق كل قانون وتليه، وتُحشر بين كل فصل ومادة، لتمنحه هالة القداسة وجلال المهمة. وكأن المواطن، إذا تجرأ وانتقد تعقيد المساطر أو الريبة من النوايا، فإنه بذلك يطعن في قدسية العمل الوطني برمّته. لكن الواقع، مرة أخرى، أبسط من كل هذا: المواطن لا يريد غير قفة تصل إلى بابه دون إذلال، ودون أن يُطلب منه أن يصرخ باسم الحزب الراعي للقفة، في فيديو مصور سينتهي، غالباً، على تيك توك أو صفحة جماعة محلية تحصد به الإعجابات.

والطريف أن الحديث عن استغلال القفة في الحملات الانتخابية جاء متزامناً مع واقع يعيشه المغاربة يوميًا، حيث لا تزال نماذج متعددة تجمع بين المسؤوليات السياسية والرياضية والخيرية في شخص واحد، كأننا في برنامج “مواهب متعددة” لا في دولة مؤسسات. ويكفي أن نستحضر حالة رئيس جماعة المحمدية، الذي كان إلى وقت قريب أيضاً رئيسًا لفريق شباب المحمدية، وفي نفس الوقت رئيسًا للجمعية الخيرية الإسلامية بالمدينة. نعم، ثلاث قبعات في رأس واحدة، في بلد يُفترض فيه أن نفصل الرياضة عن السياسة، والعمل الخيري عن الانتخابات، لكننا بدلاً من ذلك نرى هذه القبعات تتداخل بشكل يجعل المواطن لا يعرف هل يتلقى “قفة دعم” من رئيس الفريق، أم من رئيس الجماعة، أم من فاعل الخير الذي هو نفس الشخص!

وهنا لا بد من السؤال: هل نعيش في دولة المؤسسات أم في دولة “الشخص متعدد المهام”؟ كيف لجمعية تُوصف بأنها من أغنى الجمعيات الخيرية على الصعيد الوطني، أن تكون في يد رئيس منتخب، مسؤول حزبي، وفاعل رياضي؟ بل هل من المعقول أن تتحول المساعدات، التي يُفترض أن تكون باباً للكرامة، إلى وسيلة للإذلال الجماعي؟ أين هو القانون حين نرى قوائم المستفيدين تمر من مكاتب المستشارين بدل مكاتب الشؤون الاجتماعية؟ وأين هي تلك الصرامة التي وعدنا بها الوزير إذا كان أصحاب الجمع بين المهام لا يُسألون ولا يُحاسبون؟

نحن لا نطلب كثيراً، فقط نريد قفة لا تذكّرنا كل مرة بأننا في بلد السياسة فيه تعلو على الفقر، لا لمعالجته، بل لاستثماره انتخابياً. نريد جمعيات لا تشتغل في ظل لون حزبي، ونواباً لا يوزعون الزيت باسم البرلمان، ورؤساء جماعات لا يحتكرون العمل الخيري من أجل كسب الأصوات. أما إن كان العمل الخيري يحتاج إلى قانون ومرسوم وصلاحية ترابية وشرطة إدارية، فإننا نقترح أن يتم توزيع قفة رمضان عبر مكتب الضبط وبختم من وزارة الاقتصاد والمالية، على أن يتكلف المجلس الأعلى للحسابات باحتساب عدد حبات الأرز وعدد ضحكات المستفيدين.

وختاماً، إذا كان الوزير يصرّ على تطبيق القانون بصرامة لحماية المستفيدين، فنرجوه بكل لطف أن يبدأ بمن يحتكر الجمعيات ويوظف الرياضة والحزب والدولة والجمعية، ليُطعم المواطن خبزاً مشروطاً بالتصويت… فإن لم يكن ذلك استغلالاً، فماذا يكون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.