الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةرياضة

قليلاً من الحياء… فالأوطان لا تُقاس بالمليارات!

ضربة قلم

أثارت تصريحات متداولة منسوبة إلى صانعة المحتوى رجاء كوين، والتي جاء فيها: “حتى يعطيني لقجع 10 مليارات عاد ندافع على المغرب”، موجة واسعة من الغضب والاستياء، لأن المغاربة، مهما اختلفوا في السياسة أو الرياضة أو حتى في تقييم المسؤولين، يجتمعون على أن الوطن لا يُعرض في المزاد، ولا يُربط الدفاع عنه بمقابل مادي.

ولعل أول ما يجب توضيحه هو أن المال العام، ليس ملكاً لأي شخص، مهما كان منصبه أو حجم نفوذه. فلا أحد يملك أن يمنح المليارات من جيبه، أو من خزينة الدولة لإرضاء هذا أو ذاك، لأن المال العمومي، تحكمه القوانين والمؤسسات، وليس الرغبات الشخصية أو المزاج.

ومن هنا أيضاً، لا بد من توجيه رسالة إلى كل مسؤول، يعتقد أن بإمكانه الجمع بين كل شيء في وقت واحد. فالسياسة لها أهلها، والرياضة لها رسالتها، وتدبير المؤسسات يحتاج إلى التفرغ والحكمة والنتائج، لا إلى تشتيت الجهد بين مجالات متباينة. أما محاولة الظهور في كل الساحات، وإقناع الجميع في كل الملفات، بل والسعي إلى توسيع الحضور السياسي ليشمل حتى أفراد الأسرة عبر الدفع بهم إلى الواجهة الحزبية، فهي خيارات تظل محل نقاش وانتقاد في الفضاء العمومي. فليس كل من نجح في مجال يصبح بالضرورة مرجعاً في السياسة أو الاقتصاد أو تدبير الشأن العام. والمؤسسات لا تقوى بتجميع الأدوار في يد شخص واحد أو داخل دائرة واحدة، وإنما باحترام التخصص، والفصل بين المسؤوليات، وفتح المجال للكفاءات. فالرياضة تحتاج إلى التفرغ، والسياسة تحتاج إلى التفرغ، وكلما اختلطت الأوراق، خسر المجالان معاً. إن الدولة ليست مسرحاً لاستعراض الأدوار، بل فضاء للمسؤوليات الواضحة، والمحاسبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

لقد علمتنا التجارب أن المؤسسات تقوى عندما يحترم كل مسؤول حدود اختصاصه، لا عندما يحاول أن يكون سياسياً ورياضياً وخبيراً في الأرقام الفلكية، والاقتصاد والإدارة والإعلام في الوقت نفسه. فالتخصص ليس ضعفاً، بل هو عنوان النضج واحترام المؤسسات.

أما صاحبة التصريح، فإذا كانت ترى أن الدفاع عن الوطن يحتاج إلى مليارات، فمن حق الرأي العام أن يطرح سؤالاً ساخراً: إذا كانت كلمة في حق المغرب لها هذا الثمن، فكم سيدفع من يريد فقط دقائق من الدردشة معها؟ هل أصبحت “التدويزة” أغلى من موعد عند طبيب اختصاصي أو استشارة لدى أكبر المحامين؟!

السخرية هنا ليست من الأشخاص، وإنما من منطق تحويل كل شيء إلى سلعة، حتى الانتماء للوطن. فهناك فرق كبير بين العمل المأجور، وبين المواقف الوطنية التي لا تُقاس بالشيكات ولا بالأرصدة البنكية.

ومن حق أي شخص ألا يتابع كرة القدم، أو ألا يشجع المنتخب، أو أن ينتقد المسؤولين، كيفما شاء في إطار القانون. لكن ليس من المقبول أخلاقياً، أن يُختزل الدفاع عن الوطن في رقم مالي، لأن الأوطان لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تُؤجر، ولا تُمنح لمن يدفع أكثر.

وأخيراً… قليل من الحياء. فالكلمات قد تمنح دقائق من الشهرة، لكنها قد تسلب سنوات من الاحترام. أما المغرب، فقد كان وسيبقى أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من الأموال، وأكبر من كل “ترند” عابر. الوطن ليس سلعة، والوطنية ليست فاتورة، ومن أراد أن يختلف فليختلف، لكن دون أن يجعل من حب الوطن، بنداً قابلاً للمساومة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.