
ضربة قلم
رغم البحث المحموم عن قشةٍ عابرة تُرمى في بحرٍ متلاطم من الإحراجات المتكررة، في محاولة يائسة لترميم ما تبقى من صورةٍ دبلوماسية مهترئة، يبقى الدم الجزائري، في لحظات الاختبار الحقيقي، على طبيعته الأولى، حين يعود إلى منابعه داخل بلاد “الغراغلة”، حيث تختلط الحسابات الرياضية بالهواجس السياسية، وتتحول التفاصيل الصغيرة، كقميص لاعب، إلى قضية رأي عام، تُغذّيها الخلفيات أكثر مما تُفسّرها الوقائع.
وبأسلوب ساخر لا يخلو من مرارة الواقع، يبدو أن “بلد الكابرانات” لا يفوّت أي فرصة، لتحويل مباراة كرة قدم إلى درسٍ في الجغرافيا السياسية، وكأن الكرة الأرضية نفسها، تُلعب فوق مستطيل أخضر، لا كرةٌ تُمرَّر بين الأقدام. هناك، حيث تُقاس الوطنية بعدد الشعارات المطبوعة على الأقمصة، ويُرفع منسوب الحساسية إلى درجات تفوق حرارة صيف الصحراء، يصبح غياب علمٍ، كأنه اختفاء قارة بأكملها من الخريطة. أما المنطق؟ فيُترك جانباً، ربما في غرفة الملابس، إلى جانب الأقمصة الاحتياطية!
في هذا السياق، أثار قميص اللاعب الجزائري هواري فرحاني، الظهير الأيسر لنادي أولمبيك آسفي، جدلاً واسعاً خلال مواجهة فريقه أمام اتحاد العاصمة، في ذهاب نصف نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، التي احتضنها ملعب 5 جويلية بالعاصمة الجزائر.
وخلف قميص فرحاني نقاشاً كبيراً بين المتابعين، بعدما ظهر خالياً من بعض الرموز، وعلى رأسها العلم المغربي، في خطوة وُصفت بالغريبة، خاصة وأن اللاعب سبق له الظهور بالقميص الكامل، خلال مباريات سابقة ضمن المنافسة نفسها.
كما تفاعلت الجماهير بشكل واسع مع هذه اللقطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تباينت الآراء بين من اعتبر الأمر عادياً ولا يستدعي التأويل، وبين من طالب بتوضيحات رسمية لتفادي أي لبس، خصوصاً في ظل حساسية، مثل هذه التفاصيل في المنافسات القارية.
وعلى مستوى أرضية الملعب، اتسمت المواجهة بالندية والتنافس القوي بين الطرفين، حيث سعى كل فريق لتحقيق نتيجة إيجابية قبل لقاء الإياب، وسط أجواء حماسية وحضور جماهيري لافت، عكس مرة أخرى أن كرة القدم، رغم كل شيء، تظل مساحة للتنافس الرياضي، قبل أن تُثقلها التأويلات.
من جهته، خرج اللاعب عن صمته سريعاً لوضع حد للجدل، إذ أوضح في تدوينة عبر حسابه الشخصي في موقع التواصل الاجتماعي “إنستغرام” أن ما حدث له وحده، كان مجرد خطأ غير مقصود، مؤكداً أن المسؤول عن الأمتعة، هو من تسبب في غياب العلم عن القميص، مضيفاً أنه لم ينتبه لذلك بسبب تركيزه على المباراة.
وأشار فرحاني إلى أنه تم تدارك الأمر خلال الشوط الثاني، قبل أن يرفق تدوينته بصورة لعلمي المغرب والجزائر، في رسالة تعكس احترامه واعتزازه بالبلدين، وحرصه على إنهاء أي سوء فهم رافق هذه الواقعة.
وفي انتظار موقعة الإياب، التي ستُجرى يوم الأحد 19 أبريل الجاري، في تمام الساعة الثامنة مساءً، على أرضية ملعب المسيرة بآسفي، يبقى السؤال معلقاً: هل ستُحسم الأمور فوق أرضية الميدان، أم أن بعض العقول، ستظل تبحث عن “قميصٍ جديد” تُعلّق عليه ما عجزت عن تحقيقه داخل المستطيل الأخضر؟




