الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

قيسارية الأحلام المؤجلة: حكايات المال، النساء، والانكسار

محمد الحمداوي

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت المدن المغربية، تعيش مخاض التحول البطيء بين زمنين، وُلدت قيسارية عصرية في أحد الأحياء، التي كانت تُراهن على المستقبل. بناية أنيقة، بمقاييس ذلك الزمن، تضم مكاتب ومحلات تجارية مختلفة، لكنها في الحقيقة، لم تكن مجرد فضاء اقتصادي، بل مسرحًا صغيرًا لحكايات كبيرة، تصلح، لو أُحسن التقاطها، لأن تكون سيناريو فيلم مغربي مكتمل الحبكة، تتقاطع فيه الطموحات، والانكسارات، والأوهام، والانتقام الصامت.

أشخاص هذه القيسارية لم يكونوا عابرين. كانوا نماذج حية من المجتمع المغربي، بوجوه متعددة، لكل واحد منهم قصة يرويها بطريقته، وحقيقة يخفيها بطريقته أيضًا.

أحدهم، رجل في مقتبل عمره آنذاك، تسلّم لتوّه نصيبه، من الإرث العائلي. المال جاءه دفعة واحدة، دون تعب، فتصرف فيه بعجلة من يظن أن الزمن في جيبه. أسس شركة لا أحد يعلم على وجه الدقة،إن كانت قد اشتغلت يومًا، أم ظلت مجرد اسم على ورق، واشترك فيها مع صديق له، في شراكة غير واضحة المعالم، تقوم أكثر على الصداقة العابرة، منها على رؤية اقتصادية. كان الاثنان يقضيان لياليهما في السهر، يتنقلان بين ملاهي الليل، وكأن المال، وُجد ليُستهلك، لا ليُبنى به شيء. النهار للعمل كان قصيرًا، والليل للضياع كان طويلًا.

وفي إحدى زوايا القيسارية، افتتحت امرأة محلاً تجاريًا، بعد تجربة زوجية فاشلة، تركت في داخلها ندوبًا عميقة. كانت مطلقة، ولم تكن تخفي حقدًا دفينًا تجاه الرجال جميعًا، لا فردًا بعينه، بل كفكرة. كانت ترفض الحديث عن طليقها، ثم لا تلبث أن تلمّح، في جُمل مبتورة، إلى أنها تعرّضت للنصب، وأن أموالها سُلبت منها قبل الطلاق، بعد زواج طويل، أثمر طفلة كانت قد اقتربت من سن الرشد.

كلما فتحت فمها للكلام، اختارت بعناية دور الضحية. لم تُكمل الرواية أبدًا. لم تقل، ولو مرة، إن حب التملك الذي كان يسكنها، ربما ساهم في إنهاك الصبر، أو أن العلاقة، كانت معقدة أكثر، مما تحكيه الجُمل الجاهزة. ومثل كثير من الحكايات، كنا ووما زلنا نجهل أين يبدأ الخطأ وأين ينتهي، ومن المذنب الحقيقي، لأننا اعتدنا، في كل نزاع، أن نسمع من كل طرف، أنه بريء، وأن الآخر وحده الفاعل.

أما شريك صاحب الشركة، فكان نموذجًا مختلفًا تمامًا. شاب “حدو قدّو”، كما يقال بالدارجة: لا مستوى دراسي يُذكر، ولا مهنة واضحة، ولا مشروع حياة، باستثناء سُمعة، لاحقته طويلًا، بكونه زير نساء. ينتمي إلى أسرة متواضعة، لا تملك إلا الاسم والسمعة العادية، لكنه، عرف كيف يقفز اجتماعيًا حين تزوج، في زواجه الأول، من أرملة ترك لها زوجها الراحل، ثروة محترمة وعقارًا لا بأس به.

كان ذلك الزواج أشبه بحكاية، تُروى همسًا في القيسارية. “فكان يا مكان”، كما تقول الجدات، لكنه، لم يكن حكاية سعيدة كما توحي العبارة. مع مرور السنوات، شاخت المرأة، واحتفظت بقَصّة شعرها على الطريقة الذكورية، كأنها ترفض التصالح مع الزمن أو مع صورتها الجديدة.

أما “عريس الغفلة”، فلم يعد، مع الوقت، لا صديقًا وفيًا لشريكه الأول، ولا شريكًا حقيقيًا في الشركة، ولا زوجًا مستقرًا للأرملة.

انفلتت الخيوط من بين أيدي الجميع. الشراكة انهارت، الصداقة تبخرت، والزواج انتهى إلى ما انتهت إليه، أغلب الزيجات التي تُبنى على المصلحة أكثر من التفاهم. وبعد ذلك، تزوج الرجل مرة أخرى، من سيدة مطلقة، كأن حياته تدور في حلقة مفرغة، يبدل الوجوه ولا يبدل المسار.

القيسارية نفسها تغيّرت. بعض المحلات أغلقت، وبعض الوجوه اختفت، وأخرى شاخت في المكان، تحمل قصصها على ملامحها. لكنها بقيت شاهدة صامتة، على زمن كان يعتقد فيه الناس، أن المال وحده يكفي، وأن الماضي يمكن دفنه بسهولة، وأن العلاقات تُدار بلا ثمن.

كانت تلك القيسارية، في حقيقتها، مرآة صغيرة لمجتمع أكبر:
أحلام تُبنى على الصدفة، شراكات بلا أساس، زيجات مشدودة بخيوط المصلحة، ونساء ورجال يتقاسمون دور الضحية، كلٌّ من زاويته، دون أن يجرؤ أحد على الاعتراف بأن الحقيقة، غالبًا، موزعة بين الجميع.

ولو كُتب لتلك الجدران أن تتكلم، لروت حكايات لا تقل تشويقًا، عن أي فيلم، لكنها، كعادتها، اكتفت بالصمت… وتركَت البشر يواصلون أدوارهم، كلٌّ حسب، ما يراه مناسبًا لنفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.