كأس العالم 2030 على الأبواب.. وساكنة مزورة تبحث عن قطرة ماء!”

ضربة قلم
ليس في الأمر مبالغة ولا تهويل، حين نقول إن بعض المواطنين يعيشون العطش في صمت، بينما تُرفع الشعارات في المنابر عن “العدالة المجالية” و”تجويد الخدمات”. هناك، في دواوير جماعة مزورة بإقليم سطات، لا يحتاج الناس إلى تقارير ولا إلى أرقام، بل إلى شيء أبسط بكثير: ماء يجري من الصنبور… بشكل طبيعي.
حين تم الإعلان عن إسناد تدبير الماء والكهرباء إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة الدار البيضاء-سطات، ساد نوع من الارتياح. بدا الأمر وكأنه بداية عهد جديد، عنوانه القطع مع الاختلالات السابقة، وفتح صفحة عنوانها القرب من المواطن. لكن، كما يحدث غالبًا، الواقع اختار أن يسلك طريقًا آخر.
في مزورة، لا حديث عن “شركة جهوية” ولا عن “نموذج جديد”، بل عن حنفيات تُفتح وتُغلق، كما لو أن الأمر مرتبط بمزاج خفي، لا بمنظومة تدبير حديثة. الماء لا ينقطع لساعات فقط، بل ليلة كاملة، أو قد يغيب لأيام، دون سابق إنذار، ودون تفسير مقنع.
تصبح الحياة اليومية رهينة قطرة ماء:
الأم تؤجل الغسيل،
الأب يبحث عن صهريج متنقل،
الأطفال يتعلمون باكرًا معنى “التدبير في زمن العطش”.
هنا، يتحول الماء من حق بديهي إلى امتياز مؤقت.
المثير للسخرية السوداء -أو للغضب- أن هذه المناطق ليست في أقاصي البلاد، ولا في عمق الجبال، بل على مرمى حجر من مدينة سطات. أقل من أربعين كيلومترًا تفصل بين مركز حضري، يفترض أنه يستفيد من كل مقومات العيش، ودواوير تعيش على إيقاع العطش، وكأنها خارج الزمن.
أي منطق هذا؟
وأي عدالة مجالية، يمكن الحديث عنها في ظل هذا التناقض الفج؟
الأمر لا يتعلق فقط بانقطاع الماء، بل بإحساس عميق بالتهميش.
حين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، وأن معاناته لا تُرى، يتحول العطش إلى إحساس مضاعف: عطش للماء… وعطش للإنصاف.
وفي خضم هذا كله، تُرفع في الأفق شعارات كبرى:
مغرب صاعد،
استثمارات ضخمة،
استعدادات لاحتضان تظاهرات عالمية.
لكن، بين الصورة التي تُرسم في الأعلى، والواقع الذي يُعاش في الأسفل، هوة لا يمكن ردمها بالكلمات.
كيف يمكن الحديث عن بلد يستعد لاستقبال العالم، بينما جزء من مواطنيه، لا يجد الماء بشكل منتظم؟
كيف نقنع الآخر بجودة بنيتنا التحتية، ونحن نعجز عن ضمان أبسط الحقوق داخل ترابنا؟
الأخطر من كل هذا، هو تطبيع الأزمة.
حين يصبح انقطاع الماء أمرًا عاديًا، وحين يتكيف الناس مع غيابه بدل المطالبة به، نكون قد دخلنا منطقة خطيرة: منطقة فقدان الإحساس بالحق.
الشركة الجهوية، التي جاءت بشعار التحديث والتجميع وتحسين النجاعة، مطالبة اليوم بأكثر من تبرير تقني.
هي مطالبة بإعادة الثقة.
ومفتاح هذه الثقة ليس في البلاغات، بل في الصنابير.
الماء لا يحتاج إلى خطابات.
الماء يحتاج إلى تدفق.
وفي انتظار أن تصل هذه الحقيقة البسيطة إلى من يهمهم الأمر، سيظل السؤال يتردد في دواوير مزورة:
هل نحن مواطنون في نفس البلد…
أم مجرد أرقام تُستدعى فقط في الانتخابات وفي الإحصائيات؟




