
ضربة قلم
في المغرب، هناك تعبير شعبي ساخر متداول منذ سنوات، يلجأ إليه الناس لوصف كل من يكرر الكلام نفسه، ويدافع عن المواقف نفسها، مهما تغيرت الوقائع والظروف. إنه تعبير “كاري حنكو”؛ وهو وصف ساخر لا يقصد شخصًا بعينه، وإنما نمطًا من الخطاب الذي لا يعرف سوى التبرير، ولا يرى في الأحداث إلا ما يؤكد رواية جاهزة سلفًا. والمفارقة أن هذا الوصف، الذي وُلد في الشارع، بدأ يجد له مكانًا في النقاش حول بعض الوجوه التي تُقدَّم للمشاهدين باستمرار على أنها “محللة سياسيًا”. وهنا يطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تحليل سياسي حقيقي، أم أمام من يكتفي بنقل رسائل الظل، وإعادة تغليفها بعبارات منمقة، ليؤدي دور “ساعي بريد” من نوع خاص، لا يصنع التحليل بقدر ما يعيد توزيع الرواية نفسها في كل مناسبة؟
فالمحلل السياسي الحقيقي يكون، في الغالب، باحثًا في العلوم السياسية، أو أستاذًا جامعيًا، أو خبيرًا في العلاقات الدولية أو السياسات العامة، أو مسؤولًا سابقًا، يمتلك تجربة ميدانية، تؤهله لقراءة الأحداث قراءة علمية. كما يُنتظر منه، أن يقدم تحليلًا مبنيًا على الوقائع والإحصائيات والوثائق والمقارنة مع تجارب دولية، لا على الانطباعات الشخصية أو المواقف الجاهزة.
ولهذا السبب، تحرص كثير من وسائل الإعلام المهنية، على التعريف بالضيف بدقة: هل هو أستاذ جامعي؟ باحث؟ مدير مركز دراسات؟ دبلوماسي سابق؟ وزير سابق؟ حتى يعرف المشاهد الخلفية العلمية، أو المهنية، التي تمنحه شرعية التحليل.
أما عندما تتحول صفة “محلل سياسي” إلى مجرد لقب يُمنح لكل صاحب رأي مُعلَّب، يكثر ظهوره في وسائل الإعلام، دون أن يستند إلى تكوين أكاديمي متخصص، أو إنتاج فكري رصين، أو تجربة مهنية، تؤهله لقراءة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإننا نكون أمام خلطٍ واضح بين التحليل السياسي والتعليق السياسي. بل إن الأمر قد يصل، في بعض الحالات، إلى ما يسميه المغاربة، على سبيل السخرية، “كاري حنكو”.
والمقصود بهذا الوصف الشعبي ليس شخصًا بعينه، وإنما نمط من الممارسة الإعلامية، يقوم على تكرار الرواية نفسها، مهما تبدلت الوقائع والملفات. فصاحبه لا ينطلق من الأسئلة ليصل إلى الاستنتاج، وإنما يبدأ باستنتاج جاهز، ثم ينتقي من الوقائع ما يؤيده، ويتجاهل ما قد يناقضه. وبدل أن يخضع رأيه لاختبار الأدلة، يُخضع الأدلة لرأيه المسبق.
وهنا يفقد التحليل السياسي أحد أهم شروطه، وهو الاستقلالية الفكرية. فلا يعود هدفه تفسير الظواهر وفهم أسبابها، وإنما تسويق قراءة واحدة، وإعادة إنتاجها في كل مناسبة، سواء تعلق الأمر بالهجرة، أو البطالة، أو الاحتجاجات، أو القدرة الشرائية، أو التعليم، أو غيرها من القضايا. وهكذا يتحول المحلل، من باحث عن الحقيقة، إلى مكررٍ للرواية نفسها، مهما اختلفت الوقائع والسياقات.
ولذلك، فليست المشكلة في الدفاع عن رأي، أو عن سياسة معينة، فذلك حق مشروع في المجتمعات الديمقراطية، وإنما في تقديم هذا الدفاع على أنه تحليل سياسي مستقل، بينما هو في الواقع، لا يتجاوز حدود التبرير، أو إعادة صياغة خطاب جاهز بلغة قد تكون من خشب. فالمتلقي اليوم، لم يعد يبحث عن الخطيب المفوّه، بقدر ما يبحث عن الخبير الذي يحترم عقله، ويملك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة، قبل تقديم الأجوبة السهلة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مشاهد: هل كل من يظهر باستمرار على شاشة التلفزيون هو محلل سياسي فعلًا؟ أم أن صفة “المحلل” أصبحت، في بعض الحالات، مجرد بطاقة عبور إلى الاستوديوهات، بينما يبقى التحليل الحقيقي غائبًا؟
ولعل المفارقة التي تستحق التوقف عندها، هي أن المشكلة، ليست في وجود ضيوف يدافعون عن وجهة نظر معينة. فهذا أمر طبيعي في كل دول العالم، إذ لكل مؤسسة إعلامية خطها التحريري، ولكل دولة من يدافع عن سياساتها، ولكل حزب من يشرح مواقفه، ولكل حكومة من يقدم قراءته لأدائها. غير أن الدفاع عن موقف أو سياسة، لا يعفي صاحبه من احترام قواعد التحليل السياسي، ولا يمنحه تلقائيًا صفة “محلل سياسي”.
بل إن من مصلحة أي جهة ترغب في تقديم روايتها للأحداث، أن تختار من يمتلكون كفاءة علمية حقيقية، وخبرة ميدانية، وقدرة على الإقناع بالحجة والمنطق. فحتى إذا كان الهدف هو الدفاع عن سياسة معينة أو تفسير قرارات بعينها، فإن هذا الدفاع يكون أكثر مصداقية، عندما يصدر عن أشخاص لهم رصيد أكاديمي، وتجربة عملية، تؤهلهم لقراءة الأحداث بعمق، لا عن مجرد وجوه، اعتادت الظهور على الشاشات وتكرار العبارات نفسها.
إن المشاهد في زمننا، لم يعد هو ذلك المتلقي الذي يكتفي بالاستماع إلى لغة خشبية أو شعارات محفوظة. لقد أصبح يقارن بين عشرات المصادر، ويتابع وسائل إعلام محلية ودولية، ويقرأ التقارير والدراسات، ويصل إلى الوثائق والإحصائيات بضغطة زر. لذلك، فإن محاولة إقناعه بخطاب جامد، يكرر الجمل نفسها في كل مناسبة، لم تعد تحقق الأثر، الذي كانت تحققه في زمن احتكار المعلومة.
ولذلك، فإن المسؤولية لا تقع على من يسميهم المغاربة، على سبيل السخرية، “كاري حنكو” وحدهم، بل تمتد أيضًا إلى من يختار الضيوف ويُقدِّمهم للمشاهدين على أنهم “محللون سياسيون”.
فالألقاب ليست مجرد كلمات تُقال أمام الكاميرا، بل هي شهادة ضمنية بالكفاءة أمام الرأي العام. وعندما تُمنح صفة علمية أو مهنية، لمن لا يمتلك أدواتها الحقيقية، فإن الخلل، لا يكمن في الشخص وحده، بل في الجهة التي منحت اللقب وأضفت عليه هالة من المصداقية لا يبررها الواقع.
فليس كل من يُمنح لقب «محلل سياسي»، يصبح محللًا سياسيًا، وليس كل من يمتلك طلاقة في التعبي، يمتلك منهجًا في التفكير، وليس كل من يكثر ظهوره على الشاشات، يصبح خبيرًا في قراءة التحولات السياسية والاجتماعية. فالبلاغة قد تُقنع لوهلة، أما المعرفة، فلا تُقاس بعدد الدقائق أمام الكاميرا، وإنما بعمق الفكرة، وصلابة المنهج، والقدرة على قراءة الوقائع دون انتقاء أو توجيه.
ثم إن المتلقي اليوم، لم يعد ذلك المشاهد الذي يكتفي بما يُلقى إليه من فوق المنصات. لقد أصبح يقارن، ويدقق، ويبحث، ويصل إلى المصادر والوثائق والدراسات في دقائق معدودة. ولذلك، فإن الرهان على التكرار، أو على لغة الخشب، أو على إعادة إنتاج الرواية نفسها، لم يعد يصنع الإقناع، بل قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، فيفقد المتلقي ثقته ليس في الضيف وحده، وإنما في المنبر الذي اختاره وقدمه باعتباره مرجعًا في التحليل.
إن التحليل السياسي، ليس فنًا في استعمال المفردات الرنانة، ولا مهارة في الحديث لساعات دون قول جديد، بل هو قدرة على تفكيك الظواهر وربط الأسباب بالنتائج، واستحضار التاريخ والقانون والاقتصاد وعلم الاجتماع لفهم ما يجري. أما الاكتفاء بإعادة إنتاج الرواية نفسها في كل ملف، سواء تعلق الأمر بالهجرة، أو البطالة، أو التعليم، أو الاحتجاجات، أو الاقتصاد، فهو لا يضيف معرفة جديدة للمواطن، بل يحول التحليل إلى أداء شكلي، يفقد قيمته مع مرور الوقت.
ولعل أكبر خطأ ترتكبه بعض المنابر الإعلامية، هو أنها تظن أن المشاهد لا يزال كما كان قبل عشرين أو ثلاثين سنة. بينما الحقيقة أن المواطن اليوم، أصبح أكثر خبرة في قراءة الخطاب الإعلامي، وأكثر قدرة على اكتشاف التناقضات، وأكثر حساسية تجاه التبرير غير المقنع. إنه يميز بين من يناقش الوقائع ومن يلتف حولها، وبين من يقدم قراءة مستقلة، ومن يكرر خطابًا جاهزًا.
ولهذا، فإن احترام ذكاء الجمهور، يبدأ باحترام معنى كلمة “محلل سياسي”. فهي ليست لقبًا بروتوكوليًا، ولا بطاقة عبور إلى الاستوديوهات، بل صفة ينبغي أن ترتبط بالكفاءة، والاختصاص، والاستقلالية الفكرية، والقدرة على الإقناع بالأدلة لا بمجرد الحضور الإعلامي. وعندما تُمنح هذه الصفة، لمن لا يملك أدواتها، فإن الخاسر في النهاية، ليس المشاهد وحده، بل مصداقية الإعلام نفسه، لأن الجمهور، لا يفقد الثقة في الشخص فقط، وإنما قد يفقدها في المنصة التي اختارته وقدّمته باعتباره خبيرًا، بينما لم يجد فيه سوى تكرار خطاب يعرفه مسبقًا.




