الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

كانوا يحملون أقلامهم… فعاد الحزن قبل أن تبدأ الامتحانات

ضربة قلم

قبل أن يرن جرس انطلاق الامتحان، كان القدر قد سبق الجميع إلى الطريق.

لم يكن تلاميذ السنة الثالثة إعدادي، الذين غادروا بيوتهم في الساعات الأولى من الصباح، يفكرون إلا في ورقة الامتحان التي تنتظرهم، والأسئلة التي راجعوها طوال الليالي الماضية. لكن الطريق إلى مركز الامتحان تحولت، في لحظة مأساوية، إلى مشهد صادم أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المنظومة التعليمية: هل يعقل أن يقطع تلاميذ القرى عشرات الكيلومترات، عبر طرق معروفة بخطورتها، فقط من أجل اجتياز امتحان؟

الحادث الأليم الذي تعرضت له سيارة للنقل المدرسي على الطريق الإقليمية رقم 316، الرابطة بين أولاد افرج وبولعوان بدكالة، لم يخلف فقط وفاة مرافق السائق وإصابة ثلاثة أساتذة، بل خلف أيضاً أسئلة ثقيلة ينبغي أن تجد لها أجوبة حقيقية، لا بيانات عابرة ولا وعوداً موسمية.

فالطريق الإقليمية 316 ليست مجرد محور يربط أولاد افرج ببولعوان، بل هي شريان يومي يسلكه مئات التلاميذ والأطر التربوية والعمال وسكان العالم القروي. وقد ارتبط اسمها، منذ سنوات، بسلسلة من حوادث السير المأساوية التي أعادت إلى الواجهة المطالبة بتأهيلها وتوسيعها، في وقت يبدو فيه نزار بركة، زعيم حزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، منشغلاً بإيجاد مرشحين يضمنون استمرار حزبه في الاحتفاظ بهذه الوزارة، بدل الانكباب على إصلاح طرق، ما تزال مرشحة لحصد أرواح أبرياء كل يوم.

فالحديث عن جودة التعليم، لا يبدأ من ورقة الامتحان، بل يبدأ من ضمان وصول التلميذ إلى قاعة الامتحان سالماً. ولا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص، بينما يجد تلميذ في المدينة مركز الامتحان على بعد دقائق من منزله، في حين يضطر آخر في العالم القروي إلى خوض رحلة شاقة عبر طرق ضيقة وخطيرة، قد يتحول فيها كل منعطف إلى مأساة.

إن الامتحان ينبغي أن يقيس مستوى التحصيل الدراسي، لا قدرة التلميذ على النجاة من الطريق. وما قيمة أي إصلاح تربوي إذا كان الوصول إلى مركز الامتحان نفسه يحمل كل هذه المخاطر؟

لقد أصبح من الضروري إعادة النظر في الخريطة الخاصة بمراكز الامتحانات الإشهادية، والعمل على تقريبها من المؤسسات التعليمية والجماعات الترابية، كلما كان ذلك ممكناً، خاصة في المناطق القروية والجبلية. فالتكنولوجيا والتدبير الحديث يسمحان اليوم بإيجاد حلول أكثر مرونة، دون المساس بمصداقية الامتحانات أو نزاهتها.

كما أن هذه الفاجعة تذكر بأن النقل المدرسي، لم يعد مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبح جزءاً أساسياً من المنظومة التعليمية، ويستحق استثمارات أكبر، ومراقبة أشد، وتخطيطاً يضع سلامة التلميذ فوق كل اعتبار.

رحل مرافق السائق وهو يؤدي واجبه، وأصيب أساتذة كانوا في طريقهم للمساهمة في إنجاح محطة تربوية وطنية، وعاش تلاميذ لحظات لن يمحوها الزمن بسهولة. لذلك، فإن أفضل وفاء لضحايا هذه الفاجعة، ليس الاكتفاء بعبارات الأسى، وإنما تحويل هذا الحادث إلى نقطة انطلاق لمراجعة السياسات التي تجعل الامتحان، يبدأ من طريق محفوف بالمخاطر.

فالمدرسة التي تحرص على مستقبل أبنائها، مطالبة أولاً بأن تحرص على وصولهم إليها… أحياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.