الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

كان كريمًا أكثر مما يجب… فتركوه وحيدًا

م-ص

في كثير من الأحيان، لا يكون الخطأ في قسوة الظروف وحدها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع القيم الإنسانية، حين تُوضع موضع الاختبار. الكرم، الذي يُفترض أن يكون فضيلة، يتحول في مجتمعات متعبة، إلى عبء على صاحبه، بل إلى سبب مباشر في خذلانه. هكذا تبدأ قصة مواطن عُرف بالسخاء، لا لأنه يملك الكثير، بل لأنه كان يعطي أكثر مما يجب.

هذا المواطن، لم يكن استثنائيًا في موقعه أو وضعه الاجتماعي، لكنه كان استثنائيًا في حضوره الإنساني. كان حاضرًا حين يغيب الآخرون، ومتقدمًا بخطوة حين يتردد الجميع. يعطي من وقته، ومن جهده، ومن ماله بقدر استطاعته، دون أن يحسب أو ينتظر المقابل. كان يعتقد أن العلاقات تُبنى على التراكم، وأن المعروف يُحفظ، ولو في الذاكرة.

لكن الواقع أثبت له أن الذاكرة الاجتماعية قصيرة جدًا.

حين يصبح الكرم عادة مستهلكة

مع مرور الوقت، لم يعد العطاء، يُنظر إليه كتصرف نبيل، بل كأمر مضمون. أصبح وجوده في حياة الآخرين أشبه بالمسلمة: موجود دائمًا، متاح دائمًا، مستعد دائمًا. ولم يعد السؤال يُطرح: “هل يستطيع؟” بل أصبح: “لماذا تأخر؟”.

هنا تحديدًا يفقد الكرم معناه، ويتحول من قيمة إنسانية، إلى خدمة مجانية، تُستهلك دون وعي، ودون تقدير. فالناس لا يقصدون الإساءة بالضرورة، لكنهم يعتادون بسرعة، ويخلطون بين الطيبة والواجب.

عندما تنقلب الظروف

ثم جاءت اللحظة التي لا مفر منها: تغيّرت الظروف. لم يعد المواطن قادرًا على العطاء كما في السابق، ليس لأنه بخل أو تغيّر، بل لأن الحياة، قررت أن تختبره بدورها. ضاقت الإمكانيات، وتراكمت المسؤوليات، وأصبح هو نفسه، في حاجة إلى من يقف بجانبه.

لم يطلب الكثير. لم يعلن عجزه، ولم يشكُ. انتظر فقط إشارة، سؤالًا، اهتمامًا بسيطًا. لكن المفاجأة لم تكن في غياب الدعم، بل في غياب الجميع.

الأصدقاء الذين كانوا يملؤون حياته، اختفوا واحدًا تلو الآخر، اللهم إذا استُثنيت حالات قليلة محسوبة على أقل من رؤوس أصابع اليد الواحدة. المكالمات قلت، الرسائل تأخرت، والوعود بقيت معلقة. لم يحدث خلاف، ولم تقع قطيعة، فقط انسحاب هادئ، وكأن دوره في حياة الآخرين انتهى بانتهاء عطائه.

خيانة الامتنان بصيغة محترمة

خيانة الامتنان لا تكون دائمًا صريحة. غالبًا ما تأتي في شكل تجاهل مهذب، أو غياب مبرر، أو صمت طويل. وهي أكثر قسوة من الخيانة المباشرة، لأنها لا تمنحك حتى فرصة المواجهة.

أن تُترك وحيدًا بعد أن كنت سندًا، ليس مجرد خذلان عابر، بل صدمة تعيد ترتيب نظرتك إلى الناس، وإلى نفسك. هنا يكتشف الإنسان أن بعض العلاقات لم تكن قائمة عليه، بل على ما كان يقدمه.

درس متأخر لكن ضروري

في النهاية، لا يتحول هذا المواطن إلى شخص قاسٍ أو ناقم، لكنه يصبح أكثر حذرًا. يتعلم أن الكرم، دون وعي وحدود، قد يتحول إلى استنزاف صامت. وأن الطيبة تحتاج إلى توازن، لا إلى إنكار الذات.

يدرك أن ليس كل من اقترب يستحق، وليس كل من شكر ممتن، وليس كل علاقة جديرة بالتضحية. والأهم، يدرك أن المشكلة لم تكن في كرمه، بل في محيط، لم يعرف كيف يتعامل مع قيمة إنسانية، دون أن يفرغها من معناها.

خاتمة

كان كريمًا أكثر مما يجب، فتركوه وحيدًا.
ليس لأنه أخطأ، بل لأن المجتمع كثيرًا ما يسيء فهم القيم حين تُمارَس بصدق.

ويبقى السؤال مفتوحًا، بلا عاطفة زائدة ولا شعارات:
هل أصبح لزامًا على الإنسان، أن يقلل من طيبته ليحمي نفسه؟
أم أن المشكلة، ستبقى دائمًا في بيئة لا تُجيد سوى الأخذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.