كان يسمي المهاجرين صعاليك… وها هو اليوم صعلوك الإليزيه خلف القضبان!

ضربة قلم
قبل عشرين سنة خلت، كان نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، يقف أمام الكاميرات كديكٍ منتفخ الصدر، يوزّع الشتائم على سكان الضواحي من أصول مهاجرة قائلاً بوقاحة وافتخار:
«Ce sont des voyous, des racailles, je persiste et je signe»
أي: “إنهم صعاليك وأوباش، أُصرّ وأوقّع.”
كان يتحدث بثقة رجل يظن نفسه حارس الفضيلة الفرنسية، حاملاً خرطومه الشهير “الكارشر” في مخيلته، مستعداً لـ“تنظيف” فرنسا من أبنائها الذين لا يشبهون صور الإعلانات الانتخابية.
صفق له اليمين الفرنسي بحرارة، واعتبره كثيرون “رجل النظام” الذي سيعيد الهيبة للدولة. أما سكان الضواحي، فكانوا يعرفون جيداً أن هذا الخطاب ليس سوى نسخة حديثة من الغطرسة الاستعمارية القديمة.
لكن يا للعجب!
ها نحن بعد عقدين نكتشف أن “الصعلوك الحقيقي” لم يكن في ضواحي باريس، بل في قلب قصر الإليزيه نفسه. ذاك الذي كان يصف أبناء المهاجرين بـ“الرعاع”، صار هو من يقضي عقوبة حبسية مدتها خمس سنوات في سجن “لا سانتي” الباريسي، بعد إدانته بتهم تتعلق بتمويل حملته الانتخابية بأموال قادمة من نظام القذافي.
يا للمفارقة!
من كان يتحدث عن “الشرف والنظام” أصبح نموذجًا للفساد الدولي.
ومن كان يعد الفرنسيين بـ”الأمن والطمأنينة”، صار يحتاج إلى حراسة السجن ليأمن على نفسه من عدالة بلده.
الآن، وهو يرتدي بدلته الرمادية خلف القضبان، يبدو أن السيد “كارشر” هو من يحتاج إلى التنظيف.
أبناء الضواحي الذين وصفهم يوماً بـ”الأوباش” صاروا اليوم أطباء، أساتذة، مهندسين، يدفعون ضرائبهم بانتظام، بينما هو يعيش على نفقة الدولة التي خدعها.
المضحك المبكي أن ساركوزي ما زال يدّعي الشرف، ويقول بفخر: “سأنام في السجن مرفوع الرأس!”
جميل… لكن الرأس الذي لم ينحنِ يوماً للضمير، لا فائدة من رفعه الآن أمام القضبان.
لقد أراد تنظيف فرنسا من “الصعاليك”، فإذا بفرنسا تنظف نفسها منه. أراد حماية “الناس الطيبين”، فإذا بالعدالة تحميهم منه.
قال يوماً: “هؤلاء يهددون السلم العام”، والآن هو الذي يهدد سمعة الرئاسة الفرنسية.
فمن هو الصعلوك حقاً يا نيكولا؟
الشاب الذي وُلد في حيّ مهمش ويحلم بحياة كريمة؟
أم الرئيس الذي مدّ يده لأموال دماء الليبيين كي يشتري طريقه إلى الإليزيه؟
التاريخ يا ساركوزي لا يُغسل بالكلمات… بل يُكشَف بالأفعال.
والآن، وبعد كل خطبك وادعاءاتك، ما عليك سوى أن “توقّع وتُصرّ” من جديد، لكن هذه المرة على سجل المساجين، لا على دفاتر السياسة.




