كثرة الأصدقاء وقلة الأوفياء… بين ضوء القناديل وظلال النفاق

م-ص
في حياتنا، نلتقي بكثير من الوجوه، نتبادل التحايا والابتسامات، ونظن أن الأصدقاء كثُر… لكن الحقيقة، أن الوفاء أصبح نادرًا كندى الصباح، الذي يتبخر، قبل أن يصل إلى الأرض. كم من صباح رأيناه يشرق على وجوه نحب، لنكتشف أن النهار، قد أصبح مظلمًا بلا إنارة، بلا قناديل، لولا أولئك القلائل الذين يحملون شعلة الوفاء والصراحة؟
اليوم، في زمن ازدحمت فيه العلاقات بالمصالح، وأصبح كثيرون يتبادلون الناس، كما تتبادل العملات، نسقط أحيانًا، في وهم كثرة الرفاق، وننسى أن الأوفياء الحقيقيين، الذين يبقون إلى جانبنا في صمتهم وثباتهم، هم القناديل، التي تنير لنا الطريق في ظلام الأيام الطويلة.
لكن هناك حقيقة أكثر حزنًا، وأكثر تعقيدًا: بعض من ظنناهم سندًا ووفاءً، أصبحوا أكثر تمسكًا بالبروتوكولات والهياكل من البشر أنفسهم، أكثر ارتباطًا بالنظام الذي يستعملهم ويحتقرهم في الوقت نفسه. أصبحوا، بلا وعي، أدوات تتحرك بتوجيه خارجي، مخازنية أكثر من المخزن، الذي يفترض أن يحميهم، يفقدون كرامتهم وهم يظنون أنهم يحافظون عليها.
هنا تكمن الخيبة: أن يصبح الإنسان أسيرًا للنظام، الذي صنعه لنفسه، أو الذي يفرضه عليه الواقع الاجتماعي والسياسي، فيظن أن الطاعة والتقرب هي الحياة، بينما الحقيقة، أن الحياة تُبنى على المبادئ والصدق والوفاء.
نتحدث اليوم، عن الإخلاص والقيم الإنسانية، وكأننا نعود إلى زمن قديم، زمن كان فيه الوفاء والصدق معيارًا للقياس، وليس مجرد شعار يُرفع لتهدئة الضمائر أو تحسين المراكز المادية والاجتماعية. في زمن كثرت فيه الوجوه المزيفة، أصبح من يسير بالقيم الإنسانية، كأنه يمشي ضد تيار جارف، يبتعد عن الرضى السهل، ويُصر على الحفاظ على كرامته وضميره.
ومع كل ما يحيط بنا من أنانية ونفاق، يبقى القليل، القليل جدًا، من يعرف معنى الوفاء، الإخلاص، والصدق… هؤلاء هم الشموع التي لا تنطفئ، القوارب التي لا تغرق في بحر العواصف، القناديل التي تنير لنا الطريق وسط الليل الطويل.
هؤلاء القلائل، وحدهم، يُثبتون لنا أن القيم الإنسانية لم ترحل بعد، وأن الأمل حي، مهما حاولت الدنيا أن تخفيه.
وفي هذا التأمل، نستخلص حكمة واحدة: ليست كثرة الأصدقاء، معيارًا للثقة، ولا صخب المصالح دليلًا على الصدق. من وجدناهم، الأوفياء الحقيقيون، يجب أن نحفظهم ككنوز، أن نرعاهم، أن نستلهم منهم الصبر والحكمة، لأنهم وحدهم، يمنحون للحياة ضوءًا وسط الظلال الكثيفة للنفاق والازدواجية.
إن الوفاء والصدق لا يُشترى، ولا يُفرض بالقوة، بل يُكتسب بالنية الصافية والضمير الحي. ومن يعيش وفق هذه المبادئ، يظل ضوءه خافتًا، لكنه ثابتًا، يضيء لنفسه ولمن حوله، ويحمينا من أن نحيا في نهار مظلم بلا قناديل.
ومع كل هذا، يبقى درس الحياة واضحًا: القيم ليست للبيع، والوفاء لا يُشترى، والصدق، لا يُضيع طالما هناك من يحمله في قلبه.
فحتى لو غمرنا الظلام، وحتى لو اختلطت الطرق والمصالح، يبقى هناك ضوء صغير، شمعة واحدة، تكفي لأن تغيّر النهار كله، وقنديل واحد، يكفي ليعيد لنا الإيمان بالإنسانية.
فلنحفظ هؤلاء القلائل، ولنحميهم ونستلهم منهم، لأنهم ليسوا مجرد أشخاص، بل رمز، لما يجب، أن يبقى حيًا في قلوبنا جميعًا.
وفي نهاية كل ليلة مظلمة، نجد أن النهار يشرق دائمًا، لا بقوة الأرقام أو المزاحمات، بل بصدق القلوب ونقاء النية والإخلاص الثابت.




