كرامة المغربي ليست بندًا في مذكرة داخلية… وعلى الدولة أن تقول كلمتها

ضربة قلم
في الوقت الذي يبذل فيه المغرب جهودًا كبيرة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، ويقدم نفسه كوجهة اقتصادية واعدة، يظل سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح: هل الاستثمار يمنح بعض المؤسسات الحق في المساس بكرامة العامل المغربي؟
الجواب، بكل بساطة، هو لا.
فإذا كانت الأخبار المتداولة بشأن المذكرة الداخلية الصادرة عن شركة “Aeolon Renewable Energy Morocco” صحيحة، فإن القضية لا تتعلق فقط بخطأ في الصياغة أو سوء في التواصل الإداري، بل تتعلق بطريقة تنظر بها مؤسسة إلى نساء ورجال، يخرجون كل صباح لكسب قوتهم بعرق جبينهم، لا ليستيقظوا على مذكرة توحي لهم، بشكل جماعي، بأنهم موضع ريبة أو شبهة.
ليس هناك مغربي يقبل الدعارة، ولا أحد يعارض محاربة أي سلوك يجرمه القانون. بل إن المجتمع المغربي، بقيمه وثقافته وقوانينه، يرفض كل الممارسات الخارجة عن القانون. غير أن رفض الجريمة شيء، وتحويل آلاف العاملات والعمال إلى متهمين افتراضيين شيء آخر مختلف تمامًا.
إن احترام القانون لا يكون بإهانة الناس، ولا ببث الشك فيهم، ولا بصياغة مذكرات تجعل المستخدم، يشعر بأن كرامته أصبحت أقل قيمة من ورقة معلقة على لوحة الإعلانات.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الرسائل، قد تترك آثارًا نفسية ومعنوية عميقة، خاصة في صفوف العاملات اللواتي يجدن أنفسهن، أمام عبارات ذات حمولة أخلاقية ثقيلة، لا مبرر لها إذا لم تكن هناك وقائع محددة أو مساطر قانونية واضحة.
إن المؤسسة الناجحة، لا تُقاس فقط بحجم استثماراتها أو عدد مصانعها، وإنما أيضًا بطريقة تعاملها مع الإنسان. فالعمال ليسوا آلات إنتاج، ولا أرقامًا في سجلات الموارد البشرية، بل مستخدمون لهم كرامة يحميها الدستور، وتكفلها مدونة الشغل، وتصونها المواثيق الدولية التي التزم بها المغرب.
وهنا يبرز الدور الحقيقي للدولة المغربية.
فالدولة التي تفاوض المستثمرين، وتوفر لهم العقار والتحفيزات والبنيات التحتية، مطالبة أيضًا بأن تحمي أبناءها، عندما يشعرون بأن كرامتهم، أصبحت محل انتقاص. فلا يمكن أن يكون تشجيع الاستثمار على حساب احترام الإنسان، لأن الاستثمار الذي لا يحترم المواطن يتحول من فرصة للتنمية إلى مصدر للاحتقان.
إن السلطات المغربية، بمختلف مؤسساتها، مطالبة بالتعامل مع مثل هذه القضايا بالجدية اللازمة، ليس بدافع التصعيد، وإنما لترسيخ مبدأ بسيط وواضح: كل من يشتغل فوق التراب المغربي يخضع للقانون المغربي، ويحترم المواطن المغربي.
ومن حق مفتشية الشغل والجهات المختصة، أن تتحقق من مدى انسجام مثل هذه المذكرات مع مقتضيات القانون، وأن تتدخل كلما اقتضى الأمر حمايةً لحقوق الأجراء، لأن هيبة الدولة لا تُقاس فقط بتطبيق القانون على المواطنين، بل أيضًا بفرض احترامه على الشركات والمؤسسات، مهما كان حجمها أو جنسيتها.
إن المغرب لا يحتاج إلى مستثمر ينظر إلى العامل المغربي بعين الشك، بل إلى شريك اقتصادي، يؤمن بأن نجاح مشروعه يبدأ من احترام الإنسان الذي يصنع هذا النجاح كل يوم.
ولعل هذه الواقعة، إذا ثبتت تفاصيلها، تشكل فرصة لإرسال رسالة واضحة إلى كل مؤسسة أجنبية أو وطنية: مرحبًا بكل استثمار يخلق الثروة وفرص الشغل، لكن لا أحد فوق القانون، ولا أحد يملك حق الانتقاص من كرامة المغاربة.
فالكرامة ليست امتيازًا تمنحه الشركات، بل حق أصيل تكفله الدولة. وإذا كان المستثمر ينتظر من المغرب أن يحمي استثماره، فإن المغربي ينتظر من دولته أن تحمي كرامته.
وهذا، في النهاية، هو الامتحان الحقيقي لدولة المؤسسات: أن يشعر المستثمر بالأمان، وأن يشعر المواطن، قبل كل شيء، بالاحترام.




