الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

كرامة تُسحق على عتبات التقاعد… من سرق شيخوخة المغاربة؟

عبد السلام فضلي

وضعية المتقاعد في المغرب، لم تعد مجرد ملف اجتماعي مؤجل، بل تحولت إلى جرح مفتوح، يكشف بوضوح اختلالًا عميقًا في فلسفة الدولة تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمتها. ما يعيشه المتقاعد اليوم، ليس فقط ضيقًا ماديًا، بل إحساسًا قاسيًا بالتخلي، كأن سنوات العمل الطويلة انتهت إلى فراغ بلا معنى ولا تقدير.

لقد ظل المتقاعد المغربي لسنوات طويلة، يساهم في بناء الإدارة، والتعليم، والصحة، والأمن، وسائر مرافق الدولة. كان يؤدي واجبه بانتظام، تُقتطع من أجره مساهمات التقاعد، ويُقال له ضمنيًا: “اصبر… غدك مضمون”. لكن حين جاء “الغد”، وجد نفسه في مواجهة واقع صادم: معاشات هزيلة لا تواكب الحد الأدنى للعيش الكريم، وارتفاع مهول في الأسعار يلتهم ما تبقى من قدرة شرائية.

المفارقة المؤلمة أن الدولة تتحدث كثيرًا عن “الحماية الاجتماعية” و”الدولة الاجتماعية”، بينما المتقاعد -وهو أول من ينبغي أن تشملهم هذه الشعارات- يجد نفسه خارج الحسابات الحقيقية. كيف يُعقل أن يُترك شخص قضى 30 أو 40 سنة في الخدمة العمومية، ليواجه شيخوخته بمعاش لا يكفي حتى للدواء؟ كيف يُطلب منه أن يعيش بكرامة في ظل غلاء المعيشة، بينما دخله جامد لا يتحرك؟

المتقاعد اليوم لا يطالب بالرفاه، بل بالحد الأدنى من العدالة. يطالب بمراجعة المعاشات، بربطها بمؤشر الغلاء، بإنصافه بعد عقود من العطاء. لكنه بدل ذلك، يُقابل بالصمت، أو بوعود مؤجلة، أو بإصلاحات تقنية لا تلامس جوهر المشكلة.

الأخطر من ذلك أن هذا الوضع لا يهدد فقط المتقاعدين الحاليين، بل يضرب الثقة في المستقبل. كيف يمكن لشاب اليوم أن يثق في منظومة التقاعد، وهو يرى مصير من سبقوه؟ كيف سيؤمن بأن اقتطاعاته اليوم ستضمن له غدًا كريمًا، وهو يشاهد الواقع بعينيه؟

إن استمرار هذا الوضع ليس فقط ظلمًا اجتماعيًا، بل خطرًا استراتيجيًا. لأنه يخلق شعورًا عامًا، بأن الدولة لا تفي بالتزاماتها المعنوية، وأن العقد الاجتماعي نفسه يحتاج إلى مراجعة عميقة.

الحل ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية:
إصلاح شامل لمنظومة التقاعد،
رفع المعاشات الدنيا بشكل عاجل،
إدماج المتقاعدين في صلب السياسات الاجتماعية،
والأهم… الاعتراف بأن كرامة المتقاعد ليست ملفًا ثانويًا.

المتقاعد المغربي لا يريد أن يكون عبئًا، بل يريد فقط أن يُعامل بإنصاف. يريد أن يشعر أن سنوات عمره، لم تذهب سدى. يريد أن يعيش ما تبقى له من الحياة، دون قلق دائم من الغد.

في النهاية، السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
أي معنى لدولة اجتماعية، إذا كان من خدمها بالأمس يعيش اليوم على الهامش؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.