الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

رياضة

 كرة القدم تتحول إلى مسرح هدايا.. والكؤوس تصبح “نسخًا تجريبية” وسط ضجيج إعلامي لا يهدأ

ع-ب

لم تعد كرة القدم، كما يبدو، مجرد لعبة تُحسم داخل المستطيل الأخضر. لقد أصبحت عرضًا متعدد الفصول، تُكتب مشاهده في الاستوديوهات بقدر ما تُكتب في الملاعب. وفي واحدة من أكثر اللقطات عبثية وأناقة في الآن ذاته، جلس أشرف حكيمي في برنامج The Bridge، لا ليستعيد هدفًا حاسمًا أو يناقش خطة تكتيكية، بل ليتسلم… “كأسًا مصغرة”.

نعم، كأس بحجم الطاولة، تصلح لأن تُوضع بجانب فنجان قهوة، أكثر مما تُرفع في منصة تتويج. لحظةٌ بدت وكأنها مأخوذة من عالم موازٍ: نجم عالمي يتلقى نسخة “mini” من المجد، ويُطالب بابتسامة تليق بالمقام. ابتسامة حكيمي لم تخنه، لكنها قالت الكثير: قليل من المجاملة، قليل من الدهشة، وكثير من “لنساير المشهد حتى النهاية”.

لكن المسرحية لم تقف هنا. دخل أوريلين تشواميني على الخط، حاملاً هديته الخاصة: منشفة. منشفة بكل ما تحمله الكلمة من بساطة، وربما من رمزية غير مقصودة. هل هي استعداد لمجهود قادم؟ أم إشارة ساخرة إلى أن كرة القدم الحديثة، تحتاج أحيانًا إلى تجفيف العرق أكثر من رفع الكؤوس؟ أم أنها فقط لحظة تلفزيونية أخرى تبحث عن “ترند” سريع؟

في هذا المشهد، لم يكن حكيمي هو البطل الوحيد، بل كانت “الرمزية” نفسها بطلة العرض. كأننا أمام تحول خفي: لم يعد التتويج هو اللحظة الأهم، بل ما يُصنع حوله من صور، مقاطع، وهدايا قابلة للتداول على منصات التواصل. الكأس لم تعد تُمنح فقط في النهائي، بل تُعاد صناعتها في الاستوديوهات، بأحجام مختلفة، وبمعانٍ أكثر سيولة.

أما خارج الاستوديو، فالصخب كان أعلى. الإعلام، وخاصة الفرنسي وبعض المنابر الإفريقية، دخل في سباق محموم لتحليل كل تفصيلة. هنا، لم تعد المباريات تُقرأ بالأهداف فقط، بل بالنيات، بالإشارات، وبكل ما يمكن أن يُؤوَّل. الإعلام الفرنسي انشغل بما أسماه “تعقيدات الانتصار”، وكأن الفوز المغربي، يحتاج إلى لجنة تفسير، بينما ذهب جزء من الإعلام الإفريقي إلى تفكيك كل تمريرة، وكأننا أمام أطروحة دكتوراه في “علم الكرة”.

وسط هذا الزخم، بدا محكمة التحكيم الرياضي، وكأنها الحكم الأخير في مسرحية لا تزال فصولها مفتوحة. الثقة التي يُظهرها اللاعبون، وعلى رأسهم حكيمي، ليست فقط ثقة في النتيجة، بل في فكرة أعمق: أن الحقيقة، مهما طال حولها الجدل، لا تحتاج إلى نسخة مصغرة لتُثبت وجودها.

المفارقة هنا لاذعة: بينما تُوزع الكؤوس الرمزية في الاستوديوهات، وتُكتب التحليلات الثقيلة في الصحف، يبقى الإنجاز الحقيقي هناك، في ذاكرة الجماهير، لا في حجم الكأس ولا في نوع الهدية. فالتاريخ لا يحتفظ بالمناديل ولا بالنسخ المصغرة، بل يحتفظ باللحظات التي صُنعت تحت الضغط، في صمت الملاعب، بعيدًا عن أضواء البرامج.

وقد نصل، إن استمر هذا المسار، إلى زمن تُختصر فيه النهائيات في “فقرات تقديم هدايا”، ويصبح اللاعب مطالبًا ليس فقط بتسجيل الأهداف، بل أيضًا بإتقان فن تلقي المفاجآت أمام الكاميرا. عندها، لن نسأل من فاز، بل: من حصل على أفضل “باكاج إعلامي”؟

ورغم كل هذا العبث الجميل، يبقى شيء واحد عصيًّا على التغيير: اللاعب الذي يعرف قيمته، لا يحتاج إلى كأس مصغرة ليقتنع بأنه بطل. يكفيه أن ينظر إلى ما حققه، بعيدًا عن عدسات، تبحث عن الإثارة أكثر، مما تبحث عن الحقيقة.

في النهاية، قد تكون المنشفة مفيدة… لكن ليس لتجفيف العرق هذه المرة، بل لمسح فائض الضجيج الذي يحاول، عبثًا، أن يغطي على وضوح الإنجاز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.