
ضربة قلم
لم تعد كرة القدم في المغرب، مجرد لعبة شعبية، يتابعها الملايين في المقاهي أو أمام شاشات التلفاز، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة، إلى قطاع اقتصادي ضخم، تتقاطع فيه السياسة والمال والاستثمار والصورة الدولية للبلاد. ومع تصاعد النجاحات الرياضية التي حققها المنتخب الوطني، والأندية المغربية قارياً، عاد السؤال ليطرح نفسه بإلحاح: هل أصبحت كرة القدم صناعة حقيقية تدر عائدات استراتيجية للمغرب، أم أنها تحولت إلى مجال تُصرف فيه ميزانيات ضخمة دون وضوح كافٍ حول مآلاتها؟
في قلب هذا التحول يقف فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وكاتب الدولة المكلف بالميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية، وهو اسم ارتبط بشكل وثيق بتدبير أحد أكثر الملفات حساسية في الرياضة المغربية: المال الكروي.
فخلال العقد الأخير، شهد المغرب طفرة لافتة في البنيات التحتية الرياضية، تمثلت في تشييد ملاعب حديثة، وإحداث مراكز تكوين متطورة، إلى جانب تطوير المسابقات الوطنية وإطلاق برامج لإعادة هيكلة عدد من الأندية، في محاولة لنقل كرة القدم المغربية من منطق الهواية إلى منطق الصناعة الرياضية.
كرة القدم كرافعة اقتصادية
أصبحت كرة القدم اليوم، جزءاً من الاقتصاد الرياضي العالمي، والمغرب ليس استثناءً. فالاستثمار في الملاعب والبنيات التحتية والتكوين، لم يعد يُنظر إليه فقط كدعم للرياضة، بل كوسيلة لجذب الاستثمارات، والسياحة الرياضية، وتنشيط الاقتصاد المحلي.
الملاعب الكبرى، على سبيل المثال، لا تستقبل مباريات محلية فقط، بل تتحول في أحيان كثيرة، إلى فضاءات للفعاليات الكبرى والحفلات والمناسبات الدولية، وهو ما يخلق حركة اقتصادية موازية، تشمل الفنادق والنقل والخدمات.
كما أن تنظيم التظاهرات الكروية القارية والدولية، يمنح المغرب فرصة لتسويق صورته كوجهة رياضية وسياحية في آن واحد، خاصة مع المشاريع الكبرى المرتبطة باستضافة بطولات قادمة.
ميزانيات بالمليارات
لكن هذا التحول الكبير، يرافقه أيضاً تدفق مالي ضخم. فميزانيات الأندية والجامعات والبرامج الرياضية، ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر الدعم العمومي أو الشراكات أو حقوق البث التلفزي.
غير أن الكثير من المتابعين يتساءلون: هل يتم استثمار هذه الأموال بالفعالية المطلوبة؟
فبعض الأندية ما تزال تعاني اختلالات مالية متكررة، وديوناً ثقيلة، رغم الدعم الذي تتلقاه من الجماعات المحلية أو المؤسسات المحتضنة.
كما أن الحكامة المالية، داخل بعض الأندية لا تزال موضوع نقاش، خاصة في ظل غياب تقاليد راسخة للشفافية والمحاسبة داخل عدد من الجمعيات والأندية الرياضية.
الاحتراف بين الطموح والواقع
إطلاق نظام الاحتراف في البطولة الوطنية، كان خطوة مفصلية، هدفها نقل كرة القدم المغربية من منطق الهواية إلى منطق المؤسسات. غير أن الطريق لم يكن سهلاً.
فبعض الأندية استطاعت التأقلم مع شروط الاحتراف، عبر تأسيس شركات رياضية، وتحسين تدبيرها المالي، بينما ما تزال أندية أخرى تعيش على إيقاع أزمات متكررة، تتجدد كل موسم تقريباً.
وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تحول الاحتراف فعلاً إلى نموذج اقتصادي مستدام، أم أنه بقي مجرد إطار قانوني لم يترجم بعد إلى ثقافة تدبيرية حقيقية؟
صناعة النجوم
جانب آخر من اقتصاد كرة القدم، يتمثل في تكوين اللاعبين وتسويقهم دولياً. فالمغرب أصبح في السنوات الأخيرة، مصدراً مهماً للمواهب الكروية، التي تنتقل إلى البطولات الأوروبية، ما يخلق عائدات مالية للأندية ومراكز التكوين.
غير أن هذا المجال بدوره يطرح تحديات، أبرزها حماية اللاعبين الشباب، من شبكات السماسرة غير القانونية، وضمان استفادة الأندية المحلية من حقوق التكوين.
الجماهير… القلب النابض
رغم كل الأرقام والاستثمارات، تبقى الجماهير هي القوة الحقيقية لكرة القدم في المغرب. الملاعب الممتلئة، والحماس الشعبي الكبير، والمتابعة الواسعة للمباريات، كلها عوامل تمنح اللعبة قيمتها الاقتصادية والرمزية.
لكن الجماهير نفسها، أصبحت أكثر وعياً، وأكثر مطالبة بالشفافية في تسيير الأندية والجامعات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال العام أو الدعم العمومي.
بين الإنجاز والمساءلة
لا يمكن إنكار أن كرة القدم المغربية، حققت قفزات مهمة خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى النتائج أو البنيات التحتية أو الحضور الدولي. غير أن هذه الطفرة، تفرض في المقابل مستوى أعلى من الحكامة والشفافية.
فالرياضة التي أصبحت صناعة بمليارات الدراهم، تحتاج أيضاً إلى آليات واضحة للمراقبة والمحاسبة، حتى يطمئن الرأي العام إلى أن الأموال المستثمرة فيها، تعود بالنفع الحقيقي على الرياضة والاقتصاد والمجتمع.
ومع تضخم الاستثمارات وتدفق الملايير نحو البنيات التحتية والبرامج الكروية، يطرح سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الإنجازات الرياضية: من يراقب المال في كرة القدم؟ فالمجال الذي تحول تدريجيًا إلى صناعة قائمة بذاتها يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى آليات صارمة للحكامة والشفافية، سواء من خلال أجهزة المراقبة المالية، أو مؤسسات الافتحاص العمومي، حتى لا تتحول الاستثمارات الرياضية، إلى مجال للتبذير أو سوء التدبير. إن نجاح كرة القدم المغربية، لن يقاس فقط بعدد الألقاب أو الملاعب الحديثة، بل أيضًا بقدرتها على تقديم نموذج واضح في تدبير المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل هذا القطاع الذي أصبح يمس صورة البلاد واقتصادها في آن واحد.
هل نجح المغرب فعلاً في تحويل كرة القدم إلى صناعة وطنية واعدة، أم أن الطريق ما يزال طويلاً قبل أن تتحول هذه الملايير إلى نموذج اقتصادي متوازن ومستدام؟




