وأصبح السائق المهني، الذي يقضي سنوات خلف المقود، مطالباً كل يوم بتوفير:
- واجب “الكريمة”
- مصاريف الوقود
- الإصلاحات والميكانيك
- التأمين
- مصاريف المراقبة
- واجبات غير قانونية أحياناً
وفي النهاية، يجد نفسه عاجزاً حتى عن ضمان تقاعد محترم، أو تغطية اجتماعية مستقرة.
النتيجة الطبيعية لهذا النموذج كانت كارثية على الجميع:
أولاً: السائق المهني يعيش تحت ضغط دائم، لأن جزءاً مهماً من مدخوله يذهب إلى صاحب المأذونية أو الوسطاء.
ثانياً: المواطن يؤدي الثمن عبر:
- رداءة بعض الخدمات
- رفض بعض الوجهات
- الاكتظاظ
- تهالك بعض السيارات وصعوبة الاستفادة من الدعم، نتيخة خلافات بين “الورثة”
- التوتر الدائم بين السائق والزبون
ثالثاً: الدولة تخسر إمكانية بناء قطاع نقل حضري عصري ومنظم وشفاف.
ورغم أن أصواتاً كثيرة طالبت بإلغاء نظام المأذونيات أو إصلاحه جذرياً، فإن الملف ظل معقداً بسبب تشابك المصالح، ووجود فئات راكمت ثروات حقيقية من هذا النظام. كما أن عدداً من التقارير والهيئات المهنية تحدثت عن “اقتصاد الريع” داخل القطاع، وعن تضخم دور السماسرة وغياب الشفافية.
لكن النقاش الحقيقي اليوم لم يعد فقط: “هل نلغي الكريمات؟”، بل أصبح:
كيف نبني نظاماً عادلاً لا يظلم أحداً، ولا يفتح الباب مجدداً للريع المقنع؟
الإصلاح الحقيقي: منطق الخدمة العمومية لا منطق الامتياز
أي إصلاح جدي يجب أن ينطلق من فكرة بسيطة:
الطاكسي ليس غنيمة، بل خدمة عمومية.
وبالتالي، فإن الاستفادة من رخصة النقل، يجب أن ترتبط بالعمل الفعلي والكفاءة والنزاهة، وليس بالقرابة أو النفوذ أو المضاربة.
ولهذا، فإن دفتر التحملات الجديد يجب أن يُبنى على فلسفة مختلفة تماماً عن النموذج الحالي.
أولاً: من له الأولوية؟
الأولوية يجب أن تُمنح لـ:
- السائقين المهنيين الذين قضوا سنوات في القطاع دون سوابق مهنية خطيرة
- الشباب العاطلين القادرين على الالتزام بالقانون
- حاملي الشهادات المعطلين الراغبين في الاستثمار الذاتي
- الأشخاص ذوي السجل العدلي النظيف
- من لم تصدر في حقهم شكايات خطيرة متكررة من المواطنين
- من يلتزمون بالتكوين واحترام قواعد السلامة والخدمة
وليس لأصحاب الأموال الذين يشترون عشرات المأذونيات بشكل غير مباشر.
ثانياً: شروط عادلة وليست تعجيزية
من أكبر أخطاء السياسات، أن تضع شروطاً يستفيد منها فقط من يملك المال والعلاقات.
دفتر التحملات الجديد يجب أن يتجنب:
- الضمانات المالية المبالغ فيها
- الشروط الإدارية المعقدة
- العراقيل البيروقراطية
- الاحتكار المقنع
ويجب أن يعتمد بدلاً من ذلك على:
- التكوين الإجباري
- اختبار مهني حقيقي
- تقييم السلوك والانضباط
- المراقبة الرقمية
- التدرج في المسؤولية
ثالثاً: منع المضاربة والكراء الخفي
أي إصلاح لن ينجح إذا استمرت المأذونية تُكترى في السوق السوداء.
لذلك يجب:
- منع تفويت الرخصة بطريقة غير قانونية
- ربط الرخصة بالشخص المستغل فعلياً
- سحب الرخصة عند ثبوت “الكراء المقنع”
- فرض التتبع الرقمي للعقود
- مراقبة المداخيل والتصريحات
لأن المشكل الحقيقي ليس فقط في “الكريمة”، بل في تحولها إلى أصل تجاري يدر الملايين دون أي مجهود.
رابعاً: حماية المستهلك
المواطن ظل لسنوات خارج معادلة الإصلاح، رغم أنه المتضرر الأول.
أي دفتر تحملات حديث يجب أن يفرض:
- احترام العداد
- منع الانتقائية
- نظافة المركبة
- تكويناً في التواصل والسلوك
- رقمنة الشكايات
- عقوبات واضحة وسريعة
ويجب أن يصبح تقييم المواطنين جزءاً من تقييم السائق نفسه.
خامساً: الرقمنة والشفافية
الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتم بعقلية الورق والأختام القديمة.
القطاع يحتاج:
- منصة وطنية رقمية
- بطاقة مهنية إلكترونية
- سجل مهني موحد
- نظام تتبع للشكايات والمخالفات
- شفافية في منح الرخص
وقد بدأت فعلاً نقاشات رسمية حول الرقمنة، وإعادة تنظيم القطاع عبر بطاقات إلكترونية موحدة، بدل الأساليب التقليدية.
سادساً: هل الحل في إلغاء المأذونيات نهائياً؟
هناك من يطالب بالإلغاء الكامل، وهناك من يقترح الانتقال التدريجي.
لكن الأهم ليس الاسم، بل المضمون.
يمكن للدولة مثلاً:
- تحويل الرخص إلى عقود استغلال محددة المدة
- ربط التجديد بالأداء المهني
- منع التوريث التلقائي
- إحداث تعاونيات حقيقية للسائقين
- خلق شركات نقل حضري مهنية
بحيث يصبح القطاع قائماً على العمل وليس على الامتياز الأبدي.
السماسرة… الدولة الغائبة التي صنعت دولة موازية
أخطر ما في هذا الملف هو أن السماسرة صاروا أحياناً أقوى من التنظيم نفسه.
فهؤلاء:
- يحددون الأسعار
- يتحكمون في العقود
- يفرضون الوسطات
- يستفيدون من النزاعات
- يرفعون كلفة الاستغلال
وفي النهاية تنتقل الكلفة إلى السائق، ثم إلى المواطن.
وهنا يظهر جوهر الأزمة:
حين تغيب الدولة عن التنظيم الحقيقي، تظهر “دولة السمسرة”.
الإصلاح ليس ضد أحد… بل ضد الريع
من المهم التوضيح أن الإصلاح، لا يعني استهداف الفئات الهشة أو بعض المستفيدين الحقيقيين الذين يعتمدون على المأذونية كمورد اجتماعي.
لكن الفرق كبير بين:
- شخص مسن أو في وضعية صعبة يستفيد من دعم اجتماعي
وبين:
- شبكات حولت القطاع إلى تجارة امتيازات ومضاربات.
ولهذا، يمكن للدولة أن ترافق الحالات الاجتماعية الحقيقية بصيغ دعم مباشرة وواضحة، بدل استمرار نظام كامل غير عادل.
المغرب أمام فرصة تاريخية
اليوم، ومع استعداد المغرب لتظاهرات عالمية كبرى، ومع تصاعد النقاش حول تحديث النقل الحضري، أصبح إصلاح قطاع الطاكسيات ضرورة وطنية، لا مجرد مطلب مهني. وقد عادت الدعوات بقوة خلال السنوات الأخيرة، لإنهاء اختلالات “اقتصاد الريع” داخل القطاع، وربط الاستفادة بالكفاءة والعمل الفعلي.
لأن السؤال الحقيقي لم يعد:
من يملك “الكريمة”؟
بل:
من يستحق أن يخدم المواطن؟