الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

كفاكم جلدًا لأسرة التعليم: الجلاد الحقيقي يجلس في الأعلى

ضربة قلم

في هذا البلد، الجميع صار خبيرًا في التعليم إلا المعلّم. الكل يتحدث باسمه، يُقيّمه، يُحاسبه، يُعيّره، بينما هو صامت لا لشيء إلا لأنه يعرف جيدًا أن الكلام في وطن لا يسمع إلا صدى الأكاذيب مجرد ترف لا طائل منه. إنهم يحمّلون المعلم كل خطايا المنظومة، وكأنه من كتب المقررات الرديئة، وكأنه من بنى المدارس فوق المجاري، وكأنه من قرر أن تدرّس الفلسفة بمنطق العصور الوسطى، والتاريخ بعيون مهزومة.

أيها السادة، أنتم لا تنتقدون التعليم، أنتم تنتقمون من المدرسة التي فشلت في تدجين جيل لم يعد يثق في شعاراتكم. المعلم ليس هو سبب أزمة المدرسة، بل هو ضحيتها الأولى. المعلم لا ينام مرتاح البال، بل يبيت يفكر: كيف يشرح درسًا في فضاء بلا نوافذ، وكيف يقنع تلميذًا جائعًا بأن المستقبل ليس وهمًا.
كفى جبنًا… كفى رميًا لكل البلايا على من يقف في الصفوف الأمامية بيد فارغة وضمير ممتلئ. لقد صار المعلم هو الحائط القصير الذي يقفز عليه الجميع: الآباء الغاضبون، الإعلام المأجور، المسؤولون المتعالون، وحتى التلميذ الذي لم يتلقَ من المجتمع إلا دروسًا في احتقار من يعلّمه.
تتحدثون عن انحدار مستوى التعليم؟ فاسألوا من أغرقه في لجان وبرامج و”رؤى” لم تبنِ سوى عمارات من الورق، وخطط لا تفهم إلا لغة الاستهلاك الإعلامي. تريدون من المعلم أن يكون شاعرًا، ومهندسًا، وممرضًا، وعامل نظافة، وأبًا، وأمًا، وكل هذا بـ”أجرة الصبر”. تريدونه أن يزرع الأمل في صحراء، وأن يصنع المعجزات وسط ركام. ومع ذلك، يفعل… لأن بعضهم لا يزال يصدق أن للعلم قداسة، وأن الكلمة أشرف من الراتب.
لكن حتى الصبر له كرامة، وحتى الملائكة حين يُستفزّون يثورون. وأسرة التعليم، التي سكتت طويلًا، لم تعد تقبل اليوم أن تكون شماعة لأخطاء لم ترتكبها، ولا قطيعًا يُساق نحو الموت الوظيفي باسم “الإصلاح”. لا تطلبوا من المعلم أن يكون محترقًا ومبتسمًا في الآن ذاته. لا تطلبوا منه أن يفرح في مدرسة من طين، ويعلّم جيلاً من المقهورين بمنهاج فاسد، ثم تقولوا له في النهاية: “عيب تشكي، أنت موظف دولة”.
التعليم لا يقوم على أنقاض كرامة المعلم. والتلميذ لا يتعلم شيئًا من مؤسسة تُذل من يُدرّسه. ومن أراد إصلاح المدرسة، فليبدأ من احترام من فيها، لا من اتهامه. لأن المعلم ليس مشكلة الوطن… بل ما تبقى له من أمل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.