كفى عبثًا بكرامة من خدموا الوطن: المتقاعد ليس عبئًا بل شرفًا مؤجلًا!

ضربة قلم
في بلاد تُوزَّع فيها الامتيازات بسخاء على “الذين لم يتعبوا يومًا”، ويُرفع فيها شعار “الإصلاح” كلما تعلق الأمر بتقليص حقوق البسطاء، يعود ملف إصلاح التقاعد في المغرب ليُطرق مجددًا، لا من باب الإنصاف أو ردّ الاعتبار، بل من نافذة الضيق المالي والهاجس المحاسباتي الذي لا يرى في المتقاعد سوى رقم زائد في ميزانية مثقوبة أصلًا.
رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وبعد طول تجاهل وضغط متواصل من النقابات، وجّه أخيرًا دعوة لاجتماع اللجنة الوطنية المكلفة بإصلاح التقاعد. نعم، “أخيرًا”… وكأن المتقاعدين في هذا البلد يعيشون رفاهية زائدة تحتاج إلى تقليم. وكأنهم لا يصارعون الغلاء بجيوب مثقوبة، ولا يراجعون الصيدليات بنظرات مذلّة، ولا يضطرون للعيش على حافة الكفاف بعد عقود من الخدمة.
المتقاعد في المغرب ليس مواطنًا من الدرجة الثانية، بل هو في كثير من الأحيان مواطن “منسيّ”، جرى استنزاف صحته في خدمة الوطن، ثم أُلقي به في زاوية النسيان. يتقاعد الرجل بعد أربعين سنة من العمل، ليُخاطبوه في الإدارات بـ”رقم التأجير” بدل اسمه، ويُعامَل وكأن معاشه صدقة، لا حق مستحق بشرف. يمرض، فلا يجد دواءه في المستشفى العمومي، ويحتاج لقرض بسيط، فتُغلق في وجهه أبواب الأبناك.
واليوم، حين عاد ملف التقاعد إلى الطاولة، لا نسمع في لغة الحكومة سوى كلمات مثل: “الاستدامة”، “التوازنات المالية”، “الإصلاح الهيكلي”. كلمات باردة لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنها تنطلق من منطق الأرقام، لا من واقع البشر. إصلاح التقاعد في نظر وزارة الاقتصاد لا يعني إنصاف المتقاعد، بل تأخير سن تقاعده أكثر، والزيادة في الاقتطاعات، وتخفيض المعاشات باسم الواقعية الاقتصادية.
أما النقابات، فتحاول جاهدة أن تُذكّر الحكومة أن من يُحرك العجلات ليس هم المحللون الماليون، بل العمال والموظفون والمتقاعدون الذين أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة هذا الوطن، ولم يستوردوا ثرواتهم من الخارج، بل حفروا خبزهم اليومي بأظافرهم.
أي إصلاح لا يضع المتقاعد في قلب المعادلة هو مجرد قناع جديد لسرقة حقوق مُؤجَّلة. أي حديث عن التوازن دون التوقف عند الوضع المأساوي الذي يعيشه المتقاعد في القرى، في الهامش، في زحام المدن، هو تنكّر أخلاقي قبل أن يكون خطأ سياسيًا.
نريد إصلاحًا يُعيد للمتقاعد كرامته، لا فقط معاشه. نريده إصلاحًا يعترف أن هذا الرجل أو المرأة، حين جلس في الصف الخلفي من الحافلة، لم يكن ذلك ترفًا، بل لأنه لم يعد يملك حتى ثمن الطاكسي. نريده إصلاحًا يُنهي تلك الصورة المهينة لرجل مسن ينتظر أمام شبابيك الإدارات وهو يتوسل مسؤولًا شابًا لمعالجة ملفه.
أما إذا كان المقصود من “الإصلاح” هو الدفع نحو الجحيم بخطوات محسوبة، فحينها نقولها بوضوح: لن نقبل أن يكون المتقاعد هو كبش الفداء في كل أزمة تُصنع داخل مكاتب الوزراء وتُفرغ في جيوب من خدموا هذا الوطن بعرقهم، لا بعلاقاتهم.
وفي النهاية، لا نطلب صدقة من أحد. نطالب فقط بما هو مستحق، وبما يكفله الدستور، وما تُمليه أبسط مبادئ الإنسانية: أن يُعامل المتقاعد في بلده كإنسان… لا كعبء على ميزانية تُنهب كل يوم بلا حساب.




