كلنا تحت القبر سواسية: حين قالوا عن ملك… ‘جنازة رجل’

م-ص
قد نختلف، نعم، وقد نصطدم في حياتنا بآلاف التناقضات التي تفرّقنا طبقيًا، اجتماعيًا، ثقافيًا، وحتى لغويًا. فينا من يلبس أفخم الماركات، وفينا من يرتق سرواله في صمت. فينا من يسكن القصور، وفينا من يقتسم غرفة واحدة مع خمسة إخوة. فينا من تفتح له الحياة أبوابها بكل مفاتيحها، وفينا من لا يزال يقف أمام بوابة المقبرة ينتظر “رحمة من الله”. لكننا، وسط هذا الضجيج والتفاوت الفاحش، نلتقي جميعًا عند النقطة التي لا يستطيع أحد أن يتهرب منها، تلك اللحظة المجردة من الزيف، حيث ينتهي كل دور، وتُسدل الستارة بلا تصفيق، حين يُبنى “القبر” فوق الرفات، لا يهم من يكون تحته: غني أو فقير، مثقف أو أمي، محبوب أو منبوذ… الكل في النهاية يستقر بنفس الوضعية: أفقيًا، بلا كلام، بلا شكوى، وبلا تمييز في المقاسات.
الموت وحده هو العادل الذي لم نتمكن من رشوته، لا يهمه كم لك في البنك، ولا كم عدد متابعيك، ولا كم من الخرافات صدقتها في حياتك لتشعر بالتفوق على غيرك. هناك، تحت التراب، يسقط القناع، ويذوب المكياج، ويتساوى الكل في حفرة واحدة، تتشابه ملامحها كما تتشابه آلام من يُتركون في الخلف.
ومن هنا، حين نعود بالذاكرة إلى يوم ودّع فيه المغاربة ملكًا لطالما ملأ حضوره التاريخي كل المشهد، ملكًا كانت له السلطة والهيبة والكاريزما والحزم، وهو الحسن الثاني، رحمه الله، حينها لم تُلفظ العبارة الرنانة المعتادة، لم يُقال “جنازة ملك”، رغم أن البروتوكول كان من أعلى المستويات، رغم الحضور الدولي غير المسبوق، رغم أن الجثمان كان يُودَّع من قِبل دولة، بل من أمة كاملة. قيل ببساطة: “جنازة رجل”. ليس تواضعًا لغويًا، بل حكمة دفينة. فحين يموت الإنسان، لا يبقى منه سوى جوهره الإنساني. لا أحد يُدفن ومعه ألقابه، ولا يُكتب على شاهدة قبره حجم ثروته أو عدد السيارات التي امتلكها.
“جنازة رجل” عبارة تلخّص كل فلسفة الموت، وكل عبثية العظمة البشرية حين توضع في ميزان النهاية. إنها لحظة الصفر التي تذكّرنا، رغماً عنّا، أن المراتب التي نتقاتل من أجلها ليست سوى غبار سيتمسح عن الأكتاف قبل النزول إلى القبر. الرجل حين يُدفن لا يُحمل معه لا التاج ولا العرش، بل يُلف بكفن بسيط، يُدفن في تراب بسيط، ويُقرأ عليه الفاتحة من أفواه قد لا تعرفه إلا كذكرى.
كم من متكبر انتهى في قبر بحجم مترين! وكم من فقير مشى وراءه آلاف الناس لما تركه من أثر! فالمعادلة التي نحاول إنكارها طول حياتنا تنقلب علينا في اللحظة الأخيرة: نحن لا نُعرف بما نملك، بل بما نترك. لا بما نصرّح، بل بما نصمت عنه. لا بما نأكله، بل بما نُطعم به غيرنا.
الموت ليس النهاية كما يقال، بل هو تصحيح للمعادلة. الحياة خدعة بصريّة مدروسة، أما الموت فهو كشف حساب، لا يحتاج إلى محاسبين ولا محاكم. لذلك، حين قيل “جنازة رجل”، كان في العبارة أكثر مما يُقال في مجلدات. كانت درسًا في التجرد، في الصمت، وفي الانحناء أمام الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تأويل.
فيا من تعتقد أنك مميز فقط لأنك مختلف، تذكر أننا كلنا نتحول في النهاية إلى تراب، نُغطى بنفس التراب، وتُنسى أسماؤنا بنفس السرعة. وما يبقى؟ يبقى ما تركناه في قلوب الناس، لا في خزائننا.




