كلهم أبرياء… والمال العام هو المتهم الوحيد الذي اختفى في ظروف غامضة!

ضربة قلم
في قاعة المحكمة، لم تكن الجلسة مجرد لحظة قانونية عادية، بل بدت وكأنها الحلقة الأخيرة من مسلسل مغربي طويل عنوانه: “كلنا خدمنا الوطن… والوطن نسي يبعث لنا شهادة حسن السيرة”.
الكل دخل القاعة مثقلا بالسنوات، بالتقارير، وبالصفقات التي كانت تمر – حسب الرواية الرسمية للمتابعين – من أبواب القانون الواسعة، حتى صار المواطن البسيط، يتساءل إن كانت هذه الصفقات فعلا عمومية أم أنها كانت تمر عبر “الباراشوك” دون أن يراها أحد.
محمد مبديع، الوزير السابق والرئيس الأسبق لجماعة الفقيه بن صالح، ظهر متأثرا وهو يلقي كلمته الأخيرة أمام المحكمة، مستحضرا تاريخه الطويل في تدبير الشأن العام، وكأن الرجل يقول للقضاة: “ست ولايات انتخابية كاملة… واش معقول بعد هاد العمر كامل نولي فجأة تلميذا مشاغبا في قسم المال العام؟”.
الرجل تحدث عن “ثقل اللحظة”، وعن الألم الذي أصابه وأصاب أسرته، مؤكدا ثقته في القضاء المغربي، ومشددا على أن الصفقات التي أبرمت خلال فترة تسييره مرت عبر القنوات القانونية، وتحت أعين وزارة الداخلية وأجهزتها الرقابية. وهي النقطة التي جعلت كثيرين يبتسمون بسخرية خفيفة: فإذا كانت كل العيون تراقب، فمن الذي كان نائما إذن؟
أما باقي المتهمين، فقد بدا المشهد وكأنه ماراطون جماعي للبراءة الجماعية.
مقاول يقول إن شركته منذ 1995 لم ترتكب حتى مخالفة سير، وآخر يؤكد أن التقارير تثبت براءته، وثالث يتحدث عن أربعين سنة من “التضحيات”، ورابع يستنجد ببناته وضميره والله، بينما خامس مستعد لخبرة قضائية دقيقة، بل ورفع السقف عاليا قائلا للمحكمة: “إذا ثبتت التهم احكموا علي بثلاثين سنة”.
في المقابل، المواطن المغربي الذي يتابع هذه الجلسات من بعيد، صار يشعر أحيانا أنه أمام معجزة إدارية غير مسبوقة: عشرات المتابعين، ملايين الدراهم، تقارير رقابية، اختلالات تتحدث عنها الملفات… وفي النهاية الجميع يؤكد أنه بريء، وأن المال العام ربما تبخر وحده بفعل التغيرات المناخية أو بسبب “التساقطات التدبيرية”.
اللافت في هذه القضية أن لغة المتهمين اتجهت كلها نحو مفردات متشابهة:
الثقة في القضاء، حسن النية، سنوات الخدمة، التاريخ المهني، والتأثر الإنساني.
حتى كاد المشاهد يعتقد أن المحكمة تحولت إلى جلسة جماعية لاسترجاع الذكريات الجميلة بدل محاكمة واحدة من أكثر قضايا تدبير المال العام إثارة للجدل في المغرب.
وبين دموع التأثر، وعبارات “خدمت الوطن”، وطلبات العودة إلى الأسرة، يبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابه الحقيقي:
إذا كان الجميع بريئا… فمن الذي كان يعبث بثقة الناس وبصناديق الجماعات وبأحلام مدينة كاملة كانت تنتظر تنمية لا خطبا مؤثرة في آخر الجلسات؟




