
ضربة قلم
يُعتبر حي كليز قلب مراكش العصري، ورمزًا لواجهة المغرب السياحية الحديثة. هنا تتجاور الفنادق الفاخرة مع المطاعم العالمية والمراكز التجارية، لتشكّل صورة مبهرة لمدينة تستقطب سنويًا مئات الآلاف من السياح الأجانب. غير أن حادث الانقطاع الكهربائي الذي عرفته شوارع الحي بالأمس 14 شتنبر 2025، ألقى بظلال ثقيلة على النقاش العام، ليس فقط محليًا، بل وطنيًا أيضًا، لما يحمله من دلالات تتجاوز كونه مجرد عطب تقني.
حدث في وقت حرج
الانقطاع وقع في لحظة حساسة للغاية: المغرب على بُعد ثلاثة أشهر فقط من احتضان كأس أمم إفريقيا 2025، وبعدها بخمس سنوات من تنظيم كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال. مثل هذه التظاهرات الرياضية الكبرى لا تُقاس فقط بجودة الملاعب، بل أيضًا بمدى صلابة البنية التحتية الأساسية: الكهرباء، الماء، النقل، الاتصالات، والخدمات اللوجستية. أي تعثر في هذه القطاعات ينعكس مباشرة على صورة البلد المُستضيف، ويُهدد ما يُبذل من مجهودات تسويقية ودبلوماسية لتقديم المغرب كوجهة موثوقة وآمنة.
كليز ليس حيًا عاديًا
ما قد يبدو “حادثًا عابرًا” في حي شعبي محدود الزوار، يتحول في كليز إلى مؤشر خطير. فالحي يستقبل آلاف السياح يوميًا، ويُعتبر نقطة ارتكاز في تجربة الزائر الأجنبي لمراكش. انقطاع الكهرباء في الفنادق والمطاعم والمراكز التجارية لا يعني فقط إزعاجًا لحظيًا، بل يُهدد بشكل مباشر ثقة الزائر في جودة الخدمات، وقد يزرع الشك في قدرات المغرب على ضمان استقرار شبكاته الحيوية.
الرسائل المقلقة
الرسالة التي يلتقطها الرأي العام الدولي من مثل هذه الأحداث ليست تقنية، بل سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى:
-
هل المغرب جاهز فعلًا لتنظيم أحداث عالمية بهذا الحجم؟
-
هل البنية التحتية مواكبة للتطلعات، أم أن الواقع يكشف هشاشة مُستترة خلف الصور الدعائية؟
-
هل تُدار الأحياء السياحية بما يكفي من الصرامة للحفاظ على سمعتها الدولية؟
ما بعد الحادث
حادثة كليز يجب أن تُقرأ كجرس إنذار أكثر من كونها خطأً عابرًا. فالتجارب السابقة في بلدان أخرى أثبتت أن سمعة الوجهة السياحية قد تتأثر بشكل بالغ حتى من أحداث محدودة. يكفي أن ينتشر مقطع فيديو لسائح محاصر في مصعد مظلم، أو لزوار مطعم فاخر اضطروا لمغادرته بسبب انقطاع الكهرباء، كي يتضاعف أثر الواقعة عشرات المرات في الإعلام العالمي ومنصات التواصل.
المطلوب اليوم
إذا كان المغرب يسعى بالفعل إلى أن يكون في مصافّ الدول القادرة على احتضان أحداث بحجم كأس العالم، فإن الأمر لا يتوقف على الملاعب ولا على الحفل الافتتاحي. بل يبدأ من تفاصيل صغيرة مثل استقرار الكهرباء في حي كليز. المطلوب:
-
خطط وقائية صارمة لضمان عدم تكرار الانقطاعات في الأحياء السياحية الحيوية.
-
تعزيز التنسيق بين المكتب الوطني للكهرباء والسلطات المحلية لرصد الأعطاب المحتملة قبل وقوعها.
-
توفير أنظمة احتياطية بالفنادق والمرافق الحيوية، لتفادي أي ارتباك أمام الضيوف الدوليين.
خاتمة
حادثة كليز ليست نهاية العالم، لكنها بالتأكيد ليست تفصيلاً يمكن تجاهله. فالمغرب يقف اليوم أمام امتحان دقيق: إما أن يبرهن على جاهزيته التامة لاستقبال العالم، أو أن يُظهر ثغرات تُسيء إلى صورته الدولية. وفي سباق التظاهرات الكبرى، لا مكان للأخطاء البسيطة، لأن كل تفصيل قد يُحوّل إلى عنوان عريض في الصحافة العالمية.




