الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

كل شيء تغيّر في المغرب… إلا الوجوه التي تطلب أصواتنا!

ضربة قلم

بينما يقترب المغرب من موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة المقررة في شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة ذلك السؤال الذي أصبح يتكرر في المقاهي، والحافلات، وصفحات التواصل الاجتماعي، وحتى داخل البيوت المغربية: هل نحن فعلاً أمام انتخابات جديدة… أم أمام إعادة بث قديمة، لنفس الوجوه ونفس الخطابات ونفس الوعود التي تتغير فيها الألوان والشعارات، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر؟

فالمشهد السياسي في المغرب، بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، لم يعد يثير الحماس بقدر ما يثير الإحساس بالتعب والملل. نفس الوجوه التي ظلت تتنقل بين الأحزاب، كما يتنقل المسافر بين المحطات، تعود اليوم لتخاطب الشعب بنفس اللغة الخشبية، ونفس “التشلهيب” الانتخابي، الذي يرتفع صوته كلما اقتربت صناديق الاقتراع، ثم يختفي مباشرة بعد إعلان النتائج.

الشارع المغربي لم يعد يسأل كثيراً عن البرامج الانتخابية، لأنه حفظها عن ظهر قلب. وعود بتوفير الشغل، وتحسين التعليم، وإنقاذ الصحة، ومحاربة الفساد، وتقوية القدرة الشرائية… ثم بعد انتهاء الحملة، يعود المواطن، ليجد نفسه أمام أسعار مشتعلة، وفواتير مرهقة، وأجور جامدة، وأحياء مهمشة، ومستشفيات تعاني، ومدارس عمومية تئن تحت الضغط.

لقد أصبح المغربي البسيط، يشعر بأن السياسة في كثير من الأحيان، لا تغيّر حياته. أما الواقع، فيزداد قسوة سنة بعد أخرى. فالارتفاعات الصاروخية للأسعار، لم تعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل أصبحت جرحاً يومياً يعيشه المواطن، وهو يدخل السوق أو يؤدي فاتورة الماء والكهرباء أو يحاول تدبير مصاريف أسرته إلى نهاية الشهر.

الأخطر من ذلك، أن فئة واسعة من الشباب المغربي، بدأت تفقد الثقة ليس فقط في الأحزاب، بل في فكرة المشاركة نفسها. كثيرون أصبحوا يعتبرون أن الانتخابات مجرد طقس موسمي، يتكرر دون أثر حقيقي على حياتهم، وأن “التناوب الباسل” بالمفهوم الشعبي للكلمة، لم يعد سوى عملية تدوير لنفس النخب التي تتبادل المواقع والكراسي والخطابات، بينما تبقى هموم الشعب معلقة في الهواء.

المواطن المغربي اليوم، لا يبحث عن الخطب الرنانة، بل عن كرامة العيش. يريد أن يشعر بأن راتبه يكفيه، وأن أبناءه يمكن أن يدرسوا في ظروف محترمة، وأن المستشفى العمومي، لا يشبه قاعة انتظار طويلة للألم، وأن فرص الشغل لا تحتاج إلى المحسوبية والزبونية أو وساطة أو انتماء حزبي.

وفي المقابل، ما يزال بعض السياسيين يعتقدون أن المغاربة، يمكن إقناعهم بالشعارات القديمة نفسها، وبالمهرجانات الخطابية نفسها، وبالوعود التي استهلكها الزمن. لكن الواقع تغير، والمغاربة تغيروا، والغضب الصامت الذي يتوسع داخل المجتمع لم يعد خافياً على أحد.

فحين يصبح المواطن عاجزاً عن شراء أبسط الحاجيات، وحين تتحول القدرة الشرائية إلى حلم مؤجل، وحين يشعر الشباب بأن المستقبل يهرب منهم، فإن الخطر الحقيقي، لا يكون سياسياً فقط، بل اجتماعياً ونفسياً أيضاً. لأن الشعوب لا تعيش بالشعارات، بل بالإحساس بالعدل والأمل والانتماء.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟ بل: هل تستطيع الطبقة السياسية الحالية أن تستعيد ثقة المواطن المغربي؟ وهل تملك فعلاً الجرأة للاعتراف، بأن جزءاً كبيراً من المغاربة، لم يعد ينتظر الكثير من الوعود، بقدر ما ينتظر أفعالاً حقيقية تنعكس على حياته اليومية؟

إن المغرب لا تنقصه الكفاءات ولا الطاقات ولا الشباب القادر على التغيير، لكنه يحتاج إلى نفس سياسي جديد، وإلى نخب تسمع نبض الشارع، بدل الاكتفاء بالظهور الموسمي أمام الكاميرات. فالوطن لا يُبنى بخطابات المناسبات، بل بالصدق مع الناس، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المواطن يشعر بأنه ليس مجرد رقم انتخابي، يظهر كل خمس سنوات ثم يختفي.

وإذا استمرت نفس العقليات، ونفس أساليب التسويق السياسي، ونفس الوجوه التي استهلكها الزمن، فإن الخوف الحقيقي ليس من العزوف الانتخابي فقط، بل من اتساع الهوة بين المواطن والسياسة، وهي هوة حين تكبر تصبح أخطر من كل الأزمات الاقتصادية.

المغاربة اليوم لا يريدون المعجزات… بل يريدون فقط أن يشعروا بأن هذا الوطن، يتسع لأحلامهم أيضاً، لا لأصحاب الامتيازات وحدهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.