الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

“كنا نريد أن يعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار”: جملة لم تمت

ضربة قلم

ليس كلّ ألمٍ جسديٍّ يُرى بالعين، ولا كلّ مرضٍ يحتاج إلى طبيب. هناك أمراضٌ من نوع آخر… أمراضٌ تُصيب الخطاب قبل الأجساد، وتُربك المواقف قبل العقول. مرضٌ قديم، يتجدّد كلما تحرّك المغرب إلى الأمام، وكأنّ التقدّم في حدّ ذاته يُثير حساسية مزمنة لدى البعض.

ليس كلّ تقدّمٍ يُقابل بالتصفيق، ولا كلّ نجاحٍ يُستقبل بالهدوء نفسه. فهناك من لا يرى في تحرّك الآخر إلا مرآةً، تعكس ما لم يُنجَز بعد، فتتحول المقارنة إلى توتر، والنقاش إلى حساسية، والخطاب إلى ضجيج.

في هذا السياق، تبرز جملة أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية المغربية، قالها الملك الراحل الحسن الثاني بوضوح لافت:
“كنا نريد أن يعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار.”

هذه الجملة، التي قيلت في سياق سياسي محدد، لم تبقَ حبيسة لحظتها الزمنية، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى تعبير مكثّف عن علاقة غير متوازنة، حيث لا يُقابل التقدّم دائمًا بالفهم، بل أحيانًا بالإنكار، وأحيانًا أخرى بردود فعل، أقرب إلى الانزعاج منها إلى التحليل.

ورغم أن الحسن الثاني قد رحل، إلا أن الجملة بقيت حيّة، كأنها لم تُقل في الماضي بل تُقال كل يوم من جديد، كلما تحرّك المغرب خطوة إلى الأمام، وكلما ظهر الفرق بين مسارٍ يبني ومسارٍ يكتفي بالمراقبة.

وهنا تبدأ ملامح ما يمكن تسميته بـ“المرض الاجتماعي”:
حالة من التوتر المزمن تجاه نجاح الآخر، تظهر أعراضها في أشكال متعددة، أبرزها التبخيس، التشكيك، وإعادة إنتاج السرديات السلبية بشكل تلقائي، وكأن الإنجاز نفسه أصبح مشكلة يجب تفسيرها بدل فهمها.

فعندما يُنجز المغرب مشروعًا، يُسأل عن الخلفيات أكثر مما يُناقش المضمون.
وعندما يحقق تقدّمًا، يُبحث عن “الاستثناء” بدل الاعتراف بالمسار.
وكأن الأصل ليس الفعل، بل الشك في الفعل.

لكن المفارقة أن هذا الخطاب، مهما ارتفع صوته، يظل أسير ردّ الفعل، بينما يتقدّم الآخر بهدوء الفعل المستمر. فالتاريخ لا يُكتب بالضجيج، بل بالتراكم.

في المقابل، لا يحتاج المغرب إلى الدخول في سجالات طويلة، لأن أفضل إجابة على الضجيج ليست الصراخ، بل الاستمرار. الاستمرار في الإصلاح، في البناء، وفي تصحيح الأخطاء دون توقف.

وهكذا، تبقى جملة الحسن الثاني حاضرة لا كحكمٍ سياسي فقط، بل كمرآة لزمنٍ طويل:
زمنٍ يتغير فيه المغرب… بينما يظلّ البعض يواجه هذا التغيير بنفس الأدوات القديمة.

في النهاية، يبقى المشهد أوضح من كل الضجيج:
المغرب يواصل مساره بثبات، يراكم خطواته في حلبة التنمية والتقدم، بينما ينشغل آخرون بإعادة تدوير نفس الخطابات القديمة.

والحقيقة التي يفرضها الواقع بهدوء هي أن المغرب، في أكثر من مسار ومؤشر، لم يعد في موقع المقارنة فقط، بل في موقع التقدّم المتراكم الذي يصعب تجاهله أو تبخيسه.

ومهما ارتفعت أصوات التعليق أو الانزعاج، فإن منطق الزمن لا يتغيّر:
النتائج تبقى، والضجيج يزول.

وفي مثل هذه الحالات، لا يحتاج الواقع إلى مزيد من التوضيح…
يكفي أن يُترك ليقول كلمته بنفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.