كيف خسر التعليم معركته أمام الشهرة السريعة؟

ضربة قلم
لم تعد المدرسة اليوم، الفضاء الوحيد، الذي يُشكّل وعي التلميذ، أو يوجّه طموحه. فقد اقتحمت منصات التواصل الاجتماعي الحياة اليومية، للتلاميذ والطلبة، بقوة غير مسبوقة، حاملة معها نموذجًا جديدًا للنجاح، يقوم على الظهور السريع، والانتشار الواسع، والحصد الفوري للإعجابات والمشاهدات، دون شرط المعرفة أو الجهد أو التراكم.
في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو: كيف ننجح دراسيًا؟
بل أصبح، عند فئة واسعة من الشباب: لماذا أدرس أصلًا، إذا كان فيديو تافه، قد يحقق ما لا تحققه شهادة جامعية، بعد سنوات؟
1. منطق المنصات: الشهرة بدل الكفاءة
تشتغل منصات التواصل بمنطق بسيط وقاسٍ في آن واحد:
ما يثير الانتباه ينتشر، وما ينتشر يُكافأ.
لا تميّز التطبيقات بين محتوى هادف وسخيف، ولا بين معرفة حقيقية، واستعراض فارغ. المعيار الوحيد هو التفاعل:
-
ضحك
-
صدمة
-
جدل
-
استفزاز
وهكذا، يتلقى التلميذ أو الطالب رسالة يومية واضحة:
“لسنا بحاجة إلى التفوق أو الاجتهاد… فقط كن مثيرًا، مهما كان الثمن”.
في المقابل، لا تمنح المدرسة أي مكافأة فورية:
-
النجاح مؤجل
-
التقدير نادر
-
البطالة محتملة
فتحدث المقارنة القاتلة: زمن طويل مقابل عائد غير مضمون، في مواجهة شهرة سريعة مقابل هاتف وكاميرا.2. “مشاهير وهميون”: نجومية بلا مضمون
تُنتج هذه المنصات فئة جديدة من “النجوم”، لا يملكون بالضرورة:
-
معرفة
-
موهبة
-
رسالة
لكنهم يملكون الحضور، والجرأة، والاستعداد لفعل أي شيء من أجل المشاهدات.
يتحوّل التلميذ، تدريجيًا، من باحث عن المعرفة إلى:
-
صانع محتوى بلا محتوى
-
ممثل يومي لحياة مُصطنعة
-
أسير أرقام الإعجابات والمتابعات
والأخطر أن هذه “النجومية” غالبًا ما تكون:
-
قصيرة العمر
-
غير منتجة
-
نفسية الاستهلاك والتقليد
لكنها، رغم هشاشتها، تنجح في تحطيم صورة الأستاذ، والمدرسة، والجامعة في أعين الشباب.
3. المدرسة والجامعة: مؤسسات تتآكل من الداخل
لا يمكن تحميل المنصات وحدها المسؤولية. فالحقيقة المقلقة هي أن المنظومة التعليمية نفسها تعاني أعطابًا عميقة:
-
مناهج لا تُحدّث بالسرعة المطلوبة
-
ضعف الارتباط بسوق الشغل
-
غياب التوجيه الحقيقي
-
تراجع مكانة الأستاذ اجتماعيًا
حين لا يشعر التلميذ أن المدرسة:
-
تفهم واقعه
-
تواكب عصره
-
تحترم ذكاءه
فمن الطبيعي أن يبحث عن بديل يمنحه الاعتراف والاهتمام، ولو كان زائفًا.
4. الأسرة: بين العجز والتواطؤ الصامت
في كثير من الحالات، تراقب الأسرة هذا التحول بارتباك:
-
هاتف ذكي بدل كتاب
-
تصوير بدل مراجعة
-
سهر رقمي بدل نوم منتظم
أحيانًا بالعجز، وأحيانًا بالتساهل، وأحيانًا بالتشجيع غير الواعي، حين ترى أن “الشهرة قد تفتح أبواب الرزق”.
لكن ما لا يُقال غالبًا هو أن غياب الحوار داخل الأسرة، وترك الأبناء وحدهم، في مواجهة عالم رقمي عدواني، يسرّع هذا الانهيار القيمي.
5. من المسؤول إذن؟
السؤال الحقيقي ليس: من المذنب؟
بل: من المسؤول عن التصحيح؟
-
الدولة: حين تتأخر في إصلاح المدرسة، وتفشل في ربط الشهادة، بالأفق المهني، والكرامة الاجتماعية.
-
الأسرة: حين تتنازل عن دورها التربوي، وتكتفي بدور المراقب السلبي.
-
المنصات: حين تصنع خوارزميات تكافئ السطحية وتُعاقب العمق.
-
المجتمع ككل: حين يُصفّق للتفاهة ويسخر من الاجتهاد.
6. سؤال موجع… لكنه ضروري
ما قيمة شهادة جامعية أمام فيديو سخيف يجلب آلاف المشاهدات؟
السؤال صادم، لكنه يعكس واقعًا لا يمكن إنكاره.
والجواب لا يكون باحتقار الشباب، ولا بمحاربة التكنولوجيا، بل بـ:
-
إعادة الاعتبار للمعرفة
-
جعل النجاح الدراسي مرئيًا ومجزيًا
-
إدماج المنصات في التربية، بدل تركها تدمّرها
إما أن نُعيد للعلم مكانته في زمن الخوارزميات،
أو نترك أجيالًا كاملة تكتشف، بعد فوات الأوان،
أن الشهرة الوهمية لا تُبنى عليها حياة حقيقية.




