
عبد الإله بوسيف
ليست كل التحوّلات تصرخ في وجوهنا. بعضها يختار طريقاً أكثر دهاءً… يتسلّل بهدوء، يتخفّى في تفاصيل اليومي، حتى نجد أنفسنا نعيشه، دون أن نتذكّر متى بدأ أو كيف صار طبيعياً. ما كان يثير الاستغراب بالأمس، يتحوّل مع الوقت إلى أمر عادي، لا يستحق حتى وقفة تأمل.
الأمر لا يحدث صدفة، بل تحكمه آليتان خفيّتان: الأولى تُروّضنا على الاعتياد، والثانية تُقنعنا بأن كل شيء على ما يرام.
في البداية، يقاوم الإنسان ما لا يشبهه. ينزعج، يتساءل، وربما يرفض. لكن التكرار يفعل فعله… فالعقل، بطبيعته، يميل إلى تهدئة المخاوف عبر تحويل الغريب إلى مألوف. شيئاً فشيئاً، تتآكل حدود الدهشة، ويذوب الإحساس بالاختلاف. هكذا يصبح السلوك الذي كان مرفوضاً مجرد “تفصيل عادي” ضمن إيقاع الحياة.
بالتوازي مع ذلك، يبدأ صوت داخلي في أداء مهمة أكثر دقة: التبرير. ليس تبريراً صاخباً، بل همساً ناعماً يخفف التوتر. نقنع أنفسنا بأن الأمر ليس بتلك الخطورة، وأن الجميع يفعل الشيء نفسه، وأن ما نمر به مجرد مرحلة عابرة. هذه العبارات لا تأتي دائماً بوعي، لكنها تمنحنا راحة مؤقتة… راحة قد تكون خادعة.
ومع مرور الوقت، لا يعود الفرد وحده في هذه الرحلة. المجتمع كله يدخل على الخط. حين يرى كل واحد أن الآخر يتصرف بالطريقة نفسها، تتعزز القناعة بأن الأمر طبيعي. وهكذا، يتحول السلوك من خيار فردي إلى ظاهرة جماعية، ثم إلى قاعدة غير مكتوبة. في هذه اللحظة تحديداً، تختفي الأسئلة، ويخفت صوت الشك.
السر في كل ذلك هو البطء. التغيير المفاجئ يوقظ المقاومة، أما التغيير البطيء فيُخدّرها. نحن لا نقارن حاضرنا بما كنّا عليه قبل سنوات، بل بما كنّا عليه بالأمس القريب فقط. لذلك تمرّ التحولات الكبيرة متخفّية في هيئة خطوات صغيرة لا تُرى.
لكن الثمن قد يكون باهظاً. فحين يتكرّر الشيء طويلاً، يتراجع الحس النقدي. نتوقف عن التساؤل، ونستبدل الدهشة بالتسليم. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في التغيير ذاته، بل في فقدان القدرة على ملاحظته.
مع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه الآليات باعتبارها شراً خالصاً. فهي تساعد الإنسان على التكيّف مع عالم متحوّل باستمرار. غير أن الخيط الفاصل دقيق: بين التكيّف الواعي، والانزلاق الصامت نحو ما قد لا يخدمنا.
لذلك، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأخير. ليس وعياً معقّداً، بل أسئلة بسيطة تعيدنا إلى أنفسنا: متى بدأ هذا يبدو عادياً؟ هل تغيّر الواقع فعلاً، أم تغيّرت نظرتي إليه؟ هل أنا أصف ما يحدث، أم أبحث له عن مبرر؟
في النهاية، التحوّلات الكبرى لا تصنع ضجّة دائماً… لكنها تصنع واقعاً كاملاً. والفرق بين من يعيشه ومن يفهمه، هو لحظة انتباه.




