الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

كيف يقتحم النصابون العمل السياسي؟

من يبيع التزكية اليوم.. قد يبيع الوهم غداً، ومن يشتري المقعد قد يكتشف أن السجن لا يحتاج إلى بطاقة انتخابية

ضربة قلم

في كل موسم انتخابي، تعود السياسة إلى الواجهة، كما تعود الوجوه القديمة إلى الظهور، كلما اقترب موعد الاقتراع، لا لأن الجميع يؤمنون فجأة بالديمقراطية، ولا لأن المواطن يستيقظ ذات صباح، وقد قرر أن يمنح صوته لمن سيغير وجه البلاد، بل لأن صناديق الاقتراع تفتح أبوابها، فتفتح معها أبواباً أخرى كثيرة: أبواب الطموح، وأبواب المصالح، وأبواب الصفقات، وأبواب أولئك الذين يعتقدون أن السياسة، ليست مسؤولية عمومية، بل استثمار شخصي طويل الأمد.

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، سيبدأ المشهد في استعادة طقوسه المعتادة. ستظهر الوجوه التي اختفت طيلة سنوات، وستعود الابتسامات التي كانت في عطلة إجبارية، وستنتشر صور لمواطنين، لم يتذكروا يوماً أن لهم مواطنين، وستُستأنف زيارات الأحياء والدواوير والمقاهي والأسواق، لا بحثاً عن الفقراء، بل بحثاً عن أصواتهم.

وفجأة، سيكتشف بعض السياسيين أن المواطن موجود.

سيكتشفونه بعد سنوات من الغياب، وبعد أن يكون قد قطع المسافة، بين بيته والمستوصف على ظهر الدعاء، وبين منزله والمدرسة فوق مطبات التنمية، وبين منزله ومقر الجماعة، وهو يحمل ملفاً إدارياً، أصبح أقدم من بعض المنتخبين.

لكن الانتخابات، كما نعرفها في بعض نسخها المحلية، لا تبدأ يوم الاقتراع. الانتخابات تبدأ قبل ذلك بكثير، في الغرف المغلقة، وفي المفاوضات التي لا تحتاج إلى مكبرات صوت، وفي سوق لا يبيع الخضر ولا المواشي، وإنما يبيع شيئاً أكثر قيمة: التزكيات.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يزعج الكثيرين: كيف يقتحم النصابون العمل السياسي؟

والجواب بسيط جداً، إلى درجة أنه لا يحتاج إلى لجنة لتقصي الحقائق.

يقتحمونه من الباب الذي تُفتح فيه السياسة، حين تتحول من خدمة عمومية إلى صفقة، ومن مشروع مجتمعي إلى دفتر شيكات، ومن قناعة إلى تزكية، ومن نضال إلى ولاء، ومن كفاءة إلى قدرة على دفع الثمن أو جمع الأصوات أو تقديم الخدمات المناسبة، للأشخاص المناسبين في الوقت المناسب.

في البداية، لا يأتي النصاب إلى السياسة، وهو يحمل لافتة كتب عليها: «أنا نصاب». سيكون ذلك، على الأقل، صراحة نادرة تستحق التقدير.

يأتي في صورة رجل أعمال، أو فاعل جمعوي، أو وجه اجتماعي، أو مناضل، اكتشف فجأة أن خدمة الوطن، لا يمكن أن تتم إلا من داخل البرلمان، وأنه لا يستطيع إنقاذ البلاد من خارج مؤسسة تشريعية، تتطلب أولاً أن يتم إنقاذه هو من خارجها.

يأتي محملاً بخطاب جميل، وبصور كثيرة، وبسيرة ذاتية لا يعرف المواطن منه، إلا ما كُتب على الملصقات الانتخابية.

وفي السياسة، كما في الإعلانات، لا يُطلب منك دائماً أن تكون جيداً، بل أن تبدو جيداً في الصورة.

أما التزكية، فقد تحولت عند بعض محترفي السياسة إلى ما يشبه جواز السفر. لا يهم دائماً من أنت، ولا ماذا قدمت، ولا ما الذي تعرفه، ولا ما الذي ستفعله بعد وصولك. المهم أن تكون قادراً على الوصول.

وإذا كان الطريق إلى البرلمان يمر عبر الحزب، فإن الطريق إلى التزكية يمر أحياناً عبر شيء آخر، لا يوجد في النظام الداخلي، لكنه موجود في الواقع، أكثر من بعض مواد النظام الداخلي نفسه.

هناك من يبيع التزكية، وهناك من يشتريها.

وبين البائع والمشتري، تختفي السياسة في مكان ما.

وليس غريباً أن يصبح الحزب، في بعض الحالات، شبيهاً بسوق موسمي: البضاعة هي التزكية، والزبون هو المرشح، والوسيط هو من يعرف من يعرف، والمواطن هو الشخص الذي يُستدعى في النهاية، ليمنح الشرعية لصفقة، لم يكن طرفاً فيها.

ثم يُطلب من المواطن أن يصفق للديمقراطية.

طبعاً، لا أحد يقول له إن التزكية بيعت. ولا أحد يشرح له، أن المرشح لم يصل لأنه الأكثر كفاءة، ولا لأنه الأكثر نزاهة، ولا لأنه صاحب مشروع. يكفي أن يُقال له إن هذا الرجل «مدعوم»، وأن كلمة «مدعوم» في السياسة، قد تكون أحياناً أكثر قوة من كلمة «مؤهل».

وإذا كان المواطن يملك صوتاً واحداً، فإن بعض المرشحين، يملكون شبكات كاملة من الأصوات، وبعضهم يملك المال، وبعضهم يملك النفوذ، وبعضهم يملك القدرة على تحويل الانتخابات إلى موسم لتوزيع الوعود، وبعضهم يملك كل ذلك، ثم لا يملك بعد الوصول إلى السلطة، سوى موهبة واحدة: القدرة على البقاء فيها.

هنا بالضبط تبدأ الكارثة.

لأن المشكلة ليست فقط في النصاب الذي يقتحم السياسة، بل في النظام الذي يستطيع أن يمنحه شرعية انتخابية.

النصاب السياسي لا يأتي دائماً من خارج المجتمع. أحياناً هو ابن البيئة نفسها، يعرف كيف يتحدث، وكيف يبتسم، وكيف يصافح، وكيف يوزع الوعود، وكيف يكتشف فجأة، أن الفقراء أعزاء على قلبه قبل الانتخابات بأيام قليلة.

وهو يعرف أيضاً أن المواطن ينسى.

ليس لأن المواطن غبي، بل لأنه مشغول بالبقاء.

ومنشغل المواطن، في الحقيقة، نعمة سياسية كبرى لبعض المنتخبين. فحين يكون المواطن مشغولاً بالأسعار، وبالعمل، وبالكراء، وبالمرض، وبمصاريف الدراسة، يصبح من الصعب عليه، أن يتفرغ لمراقبة كل ما يحدث داخل المجالس المنتخبة.

وهكذا، يمكن للمنتخب أن يفعل أشياء كثيرة، بينما المواطن يركض خلف أشياء أكثر إلحاحاً.

وعندما يستفيق المواطن، قد يجد أن المشروع الذي كان ينتظره قد انتهى، وأن المال الذي كان مخصصاً له قد اختفى، وأن المسؤول الذي كان يتحدث باسمه، قد أصبح يتحدث باسم نفسه.

وهنا نصل إلى نوع آخر من السياسيين.

أولئك الذين لم يكتفوا بالوصول إلى المجالس، بل اعتقدوا أن الجماعة الترابية ملكية خاصة، وأن الميزانية العمومية صندوق شخصي كبير، وأن المشاريع التي أُحدثت لخدمة السكان، يمكن أن تتحول، بقدرة قادر، إلى أدوات لخدمة النفوذ السياسي.

في هذه الحالة، لا يعود المنتخب يرى الجماعة باعتبارها مؤسسة عمومية.

يراها باعتبارها شركة.

لكنها شركة عجيبة جداً، لأن رأس مالها من المال العام، وموظفوها من الدولة، ومشاريعها من ميزانية المواطنين، والخسائر يتحملها المواطن، بينما النجاح السياسي، يُسجل باسم الرئيس.

يا لها من شركة رابحة!

الرئيس ينجح، الحزب يستفيد، المقربون يستفيدون، بعض المشاريع تستفيد، والساكنة… تنتظر.

ثم يأتي القضاء أحياناً ليقول، إن الأمور لم تكن تسير كما ينبغي.

وفجأة، يجد رئيس الجماعة نفسه معزولاً من منصبه.

وهنا تحدث معجزة سياسية أخرى.

الرجل الذي كان بالأمس لا يرد على الهاتف، يصبح اليوم يبحث عن شخص يرد عليه.

الرجل الذي كانت أبواب مكتبه تفتح قبل وصوله، قد يجد نفسه أمام أبواب أخرى، لا تُفتح إلا في أوقات محددة وبإجراءات محددة.

الرجل الذي كان يحيط به الناس في المناسبات، قد يكتشف أن بعض العلاقات السياسية، تشبه الكهرباء: تكون قوية ما دام التيار موجوداً.

وحين ينقطع التيار، يصبح الجميع خبراء في الاقتصاد في استهلاك الطاقة.

أما أولئك الذين كانوا يتعاملون مع النفوذ باعتباره ملكية دائمة، فيكتشفون متأخرين، أن النفوذ السياسي ليس عقاراً، يمكن تسجيله في المحافظة العقارية.

إنه شيء مؤقت.

اليوم أنت رئيس.

غداً أنت منتخب سابق.

بعد غد قد تصبح خبراً.

وبعده قد تصبح موضوعاً في ملف.

ثم قد تصبح مجرد اسم يتذكره الناس، عندما يقولون: «واش ما شي هو اللي كان…؟»

وهذه العبارة وحدها كافية أحياناً، لتلخيص سقوط سياسي كامل.

فكم من رجل، كان يعتقد أن الهاتف الذي يرن في جيبه، سيظل يرن إلى الأبد، ثم اكتشف أن الصمت، يمكن أن يكون أطول من أي مكالمة.

وكم من شخص كان يعتقد أن علاقاته السياسية، تحميه من كل شيء، ثم اكتشف أن النفوذ، عندما يسقط، لا يسقط وحده، بل يأخذ معه كثيراً من الذين كانوا يظنون أنهم يقفون إلى جانبه.

وفي نهاية المطاف، يصل بعض هؤلاء إلى السجن.

وهنا يصبح المشهد، أكثر سخرية من أي نكتة سياسية.

الرجل الذي كان يدخل مقر الحزب وسط التصفيق، يدخل مؤسسة أخرى وسط إجراءات أمنية.

الرجل الذي كان يجلس في الصفوف الأمامية، قد يجد نفسه في مكان، لا توجد فيه صفوف أمامية.

الرجل الذي كان يستقبل الناس في مكتبه، يصبح في حاجة إلى إذن كي يستقبل أحداً.

الرجل الذي كان يوزع المواعيد، يصبح موعده هو نفسه خاضعاً للجدولة.

والرجل الذي كان يعتقد أن الدولة، لا تستطيع الاستغناء عنه، يكتشف أن الدولة، في بعض الأحيان، تستطيع الاستغناء عن الجميع.

بل إن السجن السياسي، أو السجن المرتبط بجرائم المال العام، يقدم أحياناً درساً قاسياً، في علم النفس السياسي: كلما ارتفع النفوذ، كان السقوط أكثر ضجيجاً.

فالرجل المجهول الذي يخطئ، قد يمر خطؤه في صمت.

أما الرجل الذي كان يملأ الشاشات والصور والولائم والمهرجانات، فإن سقوطه يتحول إلى عرض عام.

وفي السياسة، لا شيء يثير اهتمام الناس، مثل مشاهدة شخص، كان يعتقد أنه فوق الجميع، وهو يكتشف فجأة، أنه مثل الجميع.

لقد كان بالأمس محاطاً بالناس.

واليوم قد يكون محاطاً بالجدران.

كان بالأمس يملك مفاتيح الأبواب.

واليوم قد يكون هو نفسه، في انتظار أن يُفتح له باب.

كان بالأمس، يقرر من يدخل ومن يخرج.

واليوم، قد لا يقرر حتى متى يخرج.

وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً، أمام ظاهرة غريبة جداً: لماذا ينجذب بعض النصابين إلى السياسة؟

الجواب لأن السياسة، في بعض بيئاتها، توفر لهم ما لا توفره مجالات أخرى.

توفر لهم الواجهة.

وتوفر لهم العلاقات.

وتوفر لهم الحماية الاجتماعية.

وتوفر لهم القدرة على تقديم أنفسهم، باعتبارهم «شخصيات عامة».

وهذه العبارة وحدها، قد تمنح الشخص، في بعض المجتمعات، هالة لا يستحقها.

فما إن يصبح الرجل منتخباً، حتى تبدأ بعض الأبواب في الانفتاح أمامه.

يصبح له مقعد.

ويصبح له اسم.

ويصبح له حضور.

ويصبح له من يتصل به.

ثم تبدأ العملية الأخطر: يبدأ هو نفسه في تصديق الصورة، التي صنعها لنفسه.

يبدأ في الاعتقاد أنه فعلاً رجل دولة.

والحقيقة، أنه قد يكون فقط رجلاً فاز بمقعد.

لكن الفرق بين الاثنين كبير جداً.

رجل الدولة يخدم المنصب.

أما الانتهازي، فيستخدم المنصب.

رجل الدولة يغادر المنصب، وقد ترك وراءه أثراً.

أما الانتهازي، فيغادره وقد ترك وراءه ملفاً.

رجل الدولة يرى المال العام أمانة.

أما الفاسد فيراه فرصة.

رجل الدولة، يزداد تواضعاً كلما ازدادت سلطته.

أما النصاب السياسي فيزداد غروراً، حتى يعتقد أن الناس يصطفون خلفه حباً فيه، بينما هم في الحقيقة يصطفون خلف السلطة التي يملكها.

وحين تزول السلطة، يتبخر الحب بسرعة مذهلة.

كأن أحداً فتح نافذة في غرفة مليئة بالدخان.

ولهذا، فإن بعض السياسيين، لا يسقطون لأن الناس اكتشفوا فجأة أنهم سيئون.

بل يسقطون لأنهم فقدوا القدرة على إخفاء ذلك.

وفي بلادنا، هناك سياسيون عاشوا طويلاً على فكرة أن الزمن يحميهم.

لكن الزمن لا يحمي أحداً.

قد يؤخر الحساب، لكنه لا يلغيه.

وقد يطيل عمر الوهم، لكنه لا يجعله حقيقة.

وقد يسمح للسياسي بأن يمر من باب الحزب، ثم من باب الجماعة، ثم من باب البرلمان، ثم من أبواب النفوذ، لكنه قد يجد نفسه في النهاية أمام باب لا يفتح بالابتسامة ولا بالوعود ولا بالتصفيق.

باب القضاء.

وهنا يصبح كل شيء مختلفاً.

لا تنفع التزكية.

ولا تنفع الصورة.

ولا تنفع الجماعة.

ولا ينفع الحزب.

ولا تنفع تلك الشبكة العجيبة من الأشخاص، الذين كانوا بالأمس يجيبون على الهاتف، قبل أن ينتهي الرنين الأول.

لأن القضاء لا يسأل عادةً: كم صورة التقطت؟

ولا يسأل: كم شخصاً صافحت؟

ولا يسأل: كم مرة تصدرت الصفوف؟

يسأل سؤالاً أكثر إزعاجاً:

أين المال؟

ومن استفاد؟

وكيف صُرف؟

ومن وقع؟

ومن قرر؟

ومن نفذ؟

ومن كان يعلم؟

ومن كان يجب أن يعلم؟

وهذه أسئلة، لا تجيب عنها المؤتمرات الحزبية.

ولا تنفع معها الشعارات.

ولا يمكن حلها، بتغيير صورة الملف الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي.

إنها أسئلة ،تملك عادة سيئة جداً: أنها لا تخاف من النفوذ.

ولذلك، فإن الانتخابات المقبلة، ينبغي ألا تكون مجرد مناسبة، لتغيير الوجوه على الملصقات.

ينبغي أن تكون مناسبة لتغيير طريقة التفكير.

فالمواطن لا ينبغي أن يسأل فقط: من يستطيع أن ينجح؟

بل عليه أن يسأل: من يستحق أن ينجح؟

ولا ينبغي أن يسأل فقط: من يملك أكبر شبكة من الأصوات؟

بل عليه أن يسأل: ماذا سيفعل هذا الشخص بعد أن يحصل على أصواتي؟

ولا ينبغي أن ينبهر بمن يوزع الوعود.

فالوعود في موسم الانتخابات أرخص من المنشورات.

كل شخص قادر على الوعد.

لكن ليس كل شخص قادراً على الوفاء.

والمشكلة أن بعض المرشحين، لا يقدمون وعوداً، بل يقدمون أحلاماً كاملة.

يعدون بالطرق، والمستشفيات، والمصانع، والوظائف، والماء، والإنارة، والكرامة، وربما يعدون المواطن، لو استمروا قليلاً، بأن يجعلوا الشمس تشرق من الجهة التي يختارونها.

ثم بعد الانتخابات، يبدأ المواطن في اكتشاف أن الوعد، كان مجرد منتج انتخابي، وأن مدة صلاحيته انتهت بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

أما من يبيع التزكيات، فعليه أن يعرف أن السياسة، ليست سوقاً لبيع المقاعد.

ومن يشتري التزكية، عليه أن يعرف أن شراء الطريق، لا يعني امتلاك الوجهة.

قد تشتري التزكية.

وقد تفوز.

وقد تصبح رئيساً.

وقد تحيط بك السيارات والمرافقون والمستشارون.

وقد تظن أن العالم أصبح ملك يدك.

لكن الكرة، كما يقول المثل، لا تحتاج دائماً إلى كثير من القوة حتى تسقط.

يكفي أن تفقد الهواء.

والنفوذ السياسي يشبه الكرة تماماً.

ما دام فيه الهواء، يبدو كبيراً وممتلئاً ومثيراً للإعجاب.

وما إن يخرج منه الهواء، حتى يصبح مجرد قطعة جلد على الأرض.

وهكذا، فإن كثيراً من الذين كانوا يبدون أكبر من حجمهم الحقيقي، لم يكونوا كباراً فعلاً.

كانوا فقط ممتلئين بالهواء.

هواء السلطة.

هواء المال.

هواء التزكيات.

هواء الولاءات.

هواء الخوف الذي كان يحيط بهم.

وحين خرج الهواء، ظهر الحجم الحقيقي.

صغيراً.

عادياً.

ومرعباً أحياناً، لأن المواطن اكتشف، أنه كان يمنح ثقته لشخص، لم يكن يستحقها أصلا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسياسة، ليس أن يدخلها شخص ضعيف.

فالضعيف يمكن أن يتعلم.

ولا أن يدخلها شخص قليل الخبرة.

فالخبرة تُكتسب.

الخطر الحقيقي هو أن يدخلها شخص بلا ضمير، ثم يحصل على المال والنفوذ والحصانة السياسية، ويبدأ في الاعتقاد أن الدولة وُجدت لخدمته.

هنا تصبح الديمقراطية في خطر.

ليس لأن الانتخابات سيئة.

بل لأن الانتخابات، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتلميع من لا يستحق التلميع.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي في الاستحقاقات المقبلة ليس فقط: من سيفوز؟

السؤال هو: من الذي يجب ألا يفوز؟

ومن الذي يجب، ألا يحصل على تزكية؟

ومن الذي يجب، ألا يُمنح مفاتيح المال العام؟

ومن الذي يجب ألا يتحول من شخص يطلب ثقة الناس إلى شخص، يجعل الناس يطلبون منه أبسط حقوقهم؟

لقد حان الوقت، لكي نفهم أن الانتخابات، ليست حفلاً لتوزيع الألقاب.

وأن البرلمان، ليس مصحة لعلاج الطموح الشخصي.

وأن الجماعة، ليست مزرعة.

وأن الميزانية، ليست غنيمة.

وأن التزكية، ليست بضاعة.

وأن المواطن، ليس رقماً في لائحة انتخابية.

وأن الحزب، ليس ماكينة لتدوير الوجوه نفسها.

وأن من دخل السياسة بصفقة، سيظل ينظر إلى السياسة باعتبارها صفقة.

ومن دخلها بخدمة الناس، سيظل يرى المنصب تكليفاً.

أما من دخلها بحثاً عن النفوذ، فسوف يظل خائفاً من اليوم ، الذي ينتهي فيه النفوذ.

وذلك اليوم يأتي دائماً.

قد يأتي بعد انتخابات.

وقد يأتي بعد عزل.

وقد يأتي بعد افتحاص.

وقد يأتي بعد حكم قضائي.

وقد يأتي ببساطة، عندما يكتشف الرجل أن الهاتف لم يعد يرن.

وهنا فقط، يتعلم بعض السياسيين الحقيقة، التي كان ينبغي أن يتعلموها منذ البداية:

الكرسي ليس لك.

أنت فقط تجلس عليه.

والمال ليس لك.

أنت فقط مؤتمن عليه.

والنفوذ ليس لك.

هو مجرد إعارة مؤقتة.

والتصفيق، ليس حباً دائماً.

والتزكية، ليست شهادة براءة.

والانتخابات، ليست صكاً على بياض.

أما المواطن، الذي يُستدعى كل خمس سنوات، أو كلما احتاجت السياسة إلى شرعيته، فقد بدأ هو الآخر يتعلم.

يتعلم أن الذي يقبّل يده قبل الانتخابات، قد ينسى اسمه بعدها.

وأن الذي يوزع الوعود بالجملة، قد يجمع الأعذار بالجملة.

وأن الذي يشتري طريقه إلى السلطة، قد يكتشف أن هناك طرقاً أخرى لا تُشترى.

طرقاً تنتهي أمام القضاء.

وعندها، لا تنفع الصور.

ولا الشعارات.

ولا التزكيات.

ولا ذلك النفوذ الذي كان يملأ المكان.

لأن النفوذ، في النهاية، مثل الكرة:

ما دام فيه الهواء، يبدو أكبر من حجمه.. وما إن يخرج الهواء، حتى تعرف تماماً، كم كان حجمه الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.