لأن الوعود تبخرت.. “النضال” يُستأنف: قطاع فلاحي على صفيح الاحتقان

ضربة قلم
في الوقت الذي تُسوّق فيه الخطابات الرسمية، لفكرة “الحوار الاجتماعي”، كآلية لتبريد الجبهات وامتصاص الغضب، يخرج بلاغ الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي ليقول شيئاً مختلفاً تماماً: ما تم الاتفاق عليه لم يُنفذ، وما وُعد به ظل حبراً على ورق، وما سُمّي مكاسب لا يزال بعيداً عن أرض الواقع. إنها ليست مجرد لغة احتجاج، بل إعلان واضح عن عودة التوتر إلى قطاع يُفترض أنه من الأعمدة الحيوية للاقتصاد الوطني.
البلاغ الصادر تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، لا يكتفي بالإخبار عن ندوة صحفية مرتقبة يوم 16 أبريل 2026 بالرباط، بل يضعنا أمام معطى أكثر دلالة: قرار مواصلة البرنامج الاحتجاجي، وهو قرار لا يُتخذ عادة إلا عندما تصل قنوات الحوار إلى طريق مسدود، أو عندما تفقد الوعود الرسمية مصداقيتها في نظر الفاعلين النقابيين.
تحت شعار “مستمرون في النضال حتى تنفيذ نتائج الحوارات الاجتماعية القطاعية وتحقيق المطالب الملحة”، ترسم الجامعة سقفاً واضحاً لموقفها، حيث لم يعد الأمر يتعلق بمطالب جديدة بقدر ما هو إلحاح على تنفيذ التزامات سابقة. وهنا تكمن المفارقة: فالنقاش لم يعد حول ما يجب تحقيقه، بل حول لماذا لم يتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه أصلاً.
البلاغ يكشف، بين سطوره، عن حالة من الاحتقان المتراكم داخل القطاع الفلاحي، نتيجة ما تصفه النقابة بتعثر تنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، خاصة تلك المرتبطة بوزارة الفلاحة، إلى جانب ملفات عالقة تتحمل مسؤوليتها جهات حكومية أخرى، وعلى رأسها وزارة المالية. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول التنسيق الحكومي، وحدود الالتزام السياسي تجاه الاتفاقات الاجتماعية.
ومن اللافت أن اختيار تنظيم ندوة صحفية، بدل الاكتفاء ببيان مكتوب، يحمل دلالات تواصلية واضحة، إذ تسعى النقابة إلى نقل الملف من دائرة التفاوض المغلق إلى فضاء النقاش العمومي، وإحراج الجهات المعنية أمام الرأي العام، عبر عرض تفاصيل ما تعتبره “اختلالات” في تدبير هذا الملف.
كما أن توقيت هذه الخطوة ليس بريئاً، بل يأتي مباشرة بعد اجتماع اللجنة الإدارية للجامعة بتاريخ 4 أبريل، وهو ما يوحي بأن القرار لم يكن انفعالياً، بل نتيجة تقييم داخلي خلص إلى أن المرحلة تتطلب تصعيداً محسوباً، يجمع بين الضغط الميداني والتأثير الإعلامي.
وفي العمق، يعكس هذا البلاغ أزمة ثقة تتجاوز القطاع الفلاحي، لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والنقابات. فحين تتحول مخرجات الحوار إلى مجرد وثائق مؤجلة التنفيذ، يصبح السؤال مشروعاً: ما جدوى الحوار إذا لم يكن ملزماً؟ وما قيمة التفاوض إذا لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة؟
إن ما بين سطور هذا البلاغ، ليس مجرد دعوة لندوة صحفية، بل رسالة مشفرة تقول إن “الصبر النقابي” له حدود، وإن زمن الانتظار المفتوح بدأ ينفد. فإما أن تُفعّل الالتزامات، أو أن الشارع سيعود لفرض إيقاعه بطريقته الخاصة.
في النهاية، يبدو أن القطاع الفلاحي، الذي ظل لعقود يُنظر إليه كقطاع هادئ نسبياً، بدأ بدوره يرفع منسوب صوته، في مشهد يعكس تحولات أوسع داخل المجتمع، حيث لم يعد الصمت خياراً، ولم تعد الوعود كافية لاحتواء الغضب.




