لا تنتظروا سقوط الضحايا! منزل ينهار بالحي المحمدي.. فمن يحاسب من ينتظرون الكارثة؟

ضربة قلم
في الدار البيضاء، هناك أشياء لا تحتاج إلى زلزال كي تسقط.
يكفي أن يمر الزمن فوقها، وأن تتراكم عليها سنوات الإهمال، وأن تظل جدرانها صامتة، وهي تحمل أكثر مما تستطيع، حتى يأتي اليوم الذي يقرر فيه جزء من سقف أو جدار أن يقول كلمته الأخيرة… بالسقوط.
صباح اليوم السبت، شهد درب مولاي الشريف بمنطقة الحي المحمدي بالدار البيضاء انهيار منزل، في حادث استنفر السلطات المحلية والمصالح المعنية، فيما أفادت المعطيات المنشورة بعدم تسجيل ضحايا في الواقعة.
قد يبدو الخبر، في ظاهره، مجرد حادث عمراني آخر من تلك الأخبار التي تمر سريعًا على شاشات الهواتف، ثم تختفي بين أخبار السياسة والرياضة والأسعار ومشاكل النقل.
لكن بالنسبة إلى سكان الأحياء التي تعرف وجود بنايات قديمة ومتداعية، فإن الأمر مختلف تمامًا.
فحين ينهار منزل، لا يسقط معه الإسمنت وحده.
يسقط جزء من الإحساس بالأمان.
وتسقط معه، ولو للحظات، تلك القناعة التي تقول إن البيت الذي نعيش داخله سيبقى واقفًا لأننا اعتدنا رؤيته واقفًا.
وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
السلطات حضرت.. ولكن السؤال: لماذا بعد الانهيار؟
لا أحد يمكنه أن ينكر أهمية تدخل السلطات والمصالح المختصة، عند وقوع حادث من هذا النوع.
فالاستنفار والتدخل السريع، وتأمين محيط المكان، والتأكد من سلامة السكان، كلها إجراءات ضرورية ولا غنى عنها.
لكن الصحافة لا ينبغي أن تكتفي بتصوير لحظة وصول السلطات.
لأن السؤال الأهم يبدأ قبل وصولها.
ماذا كان يحدث لهذا المنزل قبل أن ينهار؟
هل كان مصنفًا ضمن المباني الآيلة للسقوط؟
هل سبق أن تم رصد وضعيته؟
هل كانت هناك معاينات تقنية؟
هل تم تحذير السكان؟
هل كان هناك قرار بالإفراغ أو الهدم أو التدعيم؟
وإذا كان المنزل قديمًا ومتداعيًا، فهل كان سقوطه مفاجأة فعلًا؟
هذه ليست أسئلة للبحث عن متهم جاهز، وليست دعوة إلى محاكمة أحد عبر المقالات.
إنها ببساطة أسئلة الوقاية.
لأن الإدارة الناجحة، لا تُقاس فقط بقدرتها على التدخل عندما تقع الكارثة، وإنما أيضًا بقدرتها على منع الكارثة قبل وقوعها.
الحي المحمدي.. ذاكرة من البيوت القديمة
الحي المحمدي، ليس حيًا عابرًا في ذاكرة الدار البيضاء.
إنه جزء من تاريخ المدينة الاجتماعي والعمراني، حي له ذاكرة وأجيال ووجوه وحكايات، وارتبط لعقود طويلة بحياة الطبقات الشعبية وبالتحولات الكبرى التي عرفتها العاصمة الاقتصادية.
لكن الزمن لا يرحم العمران.
وما كان صالحًا للسكن قبل عقود، قد لا يكون بالضرورة صالحًا اليوم.
الجدران تتعب.
الأساسات تتأثر.
الأسقف تتآكل.
والبناية التي تبدو من الخارج وكأنها لا تزال تقاوم، قد تكون من الداخل، قد دخلت مرحلة الخطر.
المشكلة أن بعض الأسر، لا تملك دائمًا ترف اختيار مكان آخر للسكن.
وهنا تصبح المعادلة قاسية:
بيت قديم وخطر من جهة، وإمكانات مادية محدودة من جهة أخرى.
فماذا يفعل المواطن؟
يغادر؟
إلى أين؟
وبأي ثمن؟
ومن يتحمل كلفة إعادة الإسكان؟
ومن يضمن له ألا يتحول قرار الإفراغ، من حماية من خطر الانهيار إلى بداية أزمة اجتماعية جديدة؟
ليست المرة الأولى.. وهنا تكمن خطورة السؤال
الواقعة الحالية تعيد إلى الذاكرة حوادث سابقة عرفتها الدار البيضاء، بل إن درب مولاي الشريف نفسه سبق أن شهد انهيارات لمنازل في سنوات ماضية، وهو ما جعل ملف المباني الآيلة للسقوط في المدينة، موضوعًا متكررًا في النقاش العمومي.
وهنا لا بد من التوقف.
لأن تكرار الحوادث، يجعلنا أمام شيء أكبر من “حادث”.
عندما ينهار منزل مرة، يمكن أن نقول: حادث مؤسف.
لكن عندما تتكرر انهيارات المنازل القديمة، في المدينة نفسها، وفي أحياء تعرف وجود بنايات متهالكة، فإن السؤال يصبح:
هل نحن أمام حوادث منفصلة، أم أمام مشكلة عمرانية واجتماعية مزمنة؟
وهذا هو الفرق بين صحافة تنقل الخبر وصحافة تطرح السؤال.
المشكلة ليست في الحجر وحده
أحيانًا نختصر ملف المنازل الآيلة للسقوط في كلمة واحدة:
“البنايات القديمة”.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
هناك العامل العمراني.
وهناك العامل الاجتماعي.
وهناك العامل الاقتصادي.
وهناك العامل الإداري.
وهناك أيضًا سؤال المسؤولية المشتركة بين مختلف المتدخلين.
فالمدينة التي تتوسع وتتغير وتبني مشاريع جديدة، لا يمكنها أن تنظر إلى الأحياء القديمة باعتبارها مجرد بقايا من الماضي.
هذه الأحياء أيضًا جزء من المدينة.
وسكانها أيضًا، مواطنون لهم الحق في السكن الآمن.
والسلامة العمرانية ليست ترفًا.
المفارقة: نتحرك عندما تسقط الجدران!
وهنا تأتي المفارقة التي تستحق قليلًا من التأمل.
قبل الانهيار، قد يظل الجدار واقفًا.
فتبقى القضية هادئة.
بعد الانهيار، تتحرك المصالح.
تأتي السلطات.
تأتي فرق التدخل.
يُطوق المكان.
تُلتقط الصور.
وتتحول البناية التي كانت مجهولة تقريبًا، إلى خبر تتداوله المواقع والصفحات.
وهنا نطرح سؤالًا بسيطًا، لكنه مزعج:
ألا يمكن أن تتحرك كل هذه الإمكانيات قبل أن يسقط الجدار؟
لماذا ننتظر دائمًا اللحظة التي يتحول فيها الخطر، إلى حادث حتى نكتشف أن الخطر كان موجودًا؟
لماذا لا تكون المعاينة الدورية أكثر حضورًا؟
لماذا لا يكون الإنذار المبكر أكثر فعالية؟
ولماذا لا يتم التعامل مع المباني الخطرة بمنطق الأولوية، بدل انتظار أن تتحدث الجدران بنفسها؟
الوقاية أرخص من الكارثة
هذه ليست قاعدة في البناء فقط.
إنها قاعدة في الإدارة والحياة.
إنقاذ أسرة قبل انهيار منزل، أفضل من البحث عنها بعد الانهيار.
تدعيم بناية قبل سقوطها، أقل كلفة من إعادة بناء ما تهدم.
إيجاد حل سكني لأسرة، قبل إخلائها في حالة طوارئ، أكثر إنسانية من تركها، تبحث عن مأوى بعد وقوع الكارثة.
والأهم من كل ذلك:
أن يشعر المواطن، بأن الإدارة لا تتذكره فقط عندما تقع المصيبة.
لا نريد اتهامات.. نريد أجوبة
في مثل هذه الوقائع، من السهل جدًا أن تتحول الكتابة إلى توزيع الاتهامات.
وهذا ليس هدفنا.
نحن لا نملك، من المعطيات المتوفرة حتى الآن، ما يسمح بإسناد مسؤولية محددة إلى جهة بعينها عن انهيار المنزل.
والتحقيقات والمعاينات التقنية، هي التي يمكن أن تحدد الأسباب والمسؤوليات، إن وجدت.
لكن من حق الرأي العام أن يعرف:
هل كانت البناية معروفة لدى المصالح المختصة؟
هل كانت هناك تقارير أو معاينات سابقة؟
ما وضع المباني المجاورة؟
وهل هناك منازل أخرى في المنطقة، تحتاج إلى تدخل عاجل؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه أسئلة مواطنة.
الحي المحمدي لا يحتاج إلى انتظار جدار آخر
المطلوب اليوم ليس فقط التعامل مع المنزل الذي انهار.
المطلوب أن تكون هذه الواقعة، مناسبة لإعادة النظر في محيطها.
أن يتم فحص البنايات المجاورة، إذا كانت هناك مؤشرات خطر.
أن يتم تحديد المنازل الأكثر هشاشة.
أن يعرف السكان أين يقفون، وأين تبدأ مسؤولية الجهات المختصة.
وأن تكون هناك خريطة واضحة للمباني التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
فأسوأ ما يمكن أن يحدث، هو أن يغادر الخبر الصفحة الأولى، بينما يبقى الخطر في المكان نفسه.
حين يصبح الاعتياد أخطر من الانهيار
هناك خطر آخر لا نتحدث عنه كثيرًا.
إنه الاعتياد.
عندما يعيش الناس سنوات بجوار منزل متداعٍ، يصبح وجوده جزءًا من المشهد.
يمر الأطفال بجانبه.
يدخل الجيران ويخرجون.
تفتح المحلات أبوابها.
وتستمر الحياة.
شيئًا فشيئًا، يتحول الخطر إلى شيء عادي.
وهذه ربما أخطر مرحلة.
لأن الإنسان عندما يعتاد الخطر، يتوقف عن رؤيته.
ثم يأتي يوم، ينهار فيه ما اعتاد الجميع على رؤيته.
الدار البيضاء تحتاج إلى سياسة لا إلى ردود أفعال
الدار البيضاء مدينة كبرى، ومشاكلها العمرانية، لا يمكن أن تعالج فقط، بمنطق التدخلات الظرفية.
نحتاج إلى رؤية واضحة للمباني القديمة.
نحتاج إلى جرد دقيق.
نحتاج إلى تقييم تقني.
نحتاج إلى ترتيب الأولويات.
نحتاج إلى حلول اجتماعية للسكان.
ونحتاج قبل كل شيء، إلى تنسيق حقيقي بين مختلف المتدخلين.
فالمنزل الآيل للسقوط ليس مجرد ملف إداري.
إنه بيت.
وخلف كل باب هناك أسرة.
وخلف كل نافذة هناك حياة.
وخلف كل جدار، قد تكون هناك ذاكرة عشرات السنين.
وفي النهاية…
الحمد لله أن حادث الحي المحمدي، وفق المعطيات الأولية، لم يخلف ضحايا.
لكن الصحافة الجادة لا تنتظر سقوط الأرواح، حتى تبدأ في طرح الأسئلة.
فالمنزل الذي ينهار دون ضحايا، ليس بالضرورة خبرًا سعيدًا.
قد يكون ببساطة إنذارًا نجونا منه هذه المرة.
والفرق كبير.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى معلقًا، بعد مغادرة فرق التدخل، وبعد إزالة الركام، وبعد أن تهدأ الضجة الإعلامية، هو:
كم منزلًا آخر في الدار البيضاء ينتظر دوره لكي يسقط؟
والأهم:
هل نريد أن نعرف الجواب بعد الانهيار، أم نملك الشجاعة للبحث عنه قبله؟
لأن المدينة التي تحترم سكانها، لا تنتظر أن يسقط البيت، كي تتذكر أن داخله بشرًا.




