الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةرياضة

لا تُحوِّلوا الملاعب إلى صناديق اقتراع… كفى تسييسًا للرياضة واستخفافًا بعقول المغاربة

ضربة قلم

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن حرارة المنافسة الانتخابية، لم تعد تقتصر على مقرات الأحزاب وقاعات الاجتماعات، بل امتدت إلى ميادين أخرى، في مقدمتها الرياضة، التي يفترض أن تبقى فضاءً يوحد المغاربة، لا أن تتحول إلى ورقة انتخابية أو رأسمال سياسي، يوظف في لحظات الحسم.

وفي هذا السياق، تداولت وسائل إعلام معطيات، تتحدث عن احتمال التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، مع حديث عن إمكانية ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة، بل وذهبت بعض التقارير إلى الحديث عن ترتيبات تنظيمية ومفاوضات متقدمة داخل الحزب. وإلى حدود الساعة، تبقى هذه المعطيات متداولة في الإعلام، ويظل التأكيد الرسمي أو النفي النهائي من الأطراف المعنية هو الفيصل.

لكن، بعيدا عن صحة هذا الخبر من عدمها، فإن القضية الأهم، ليست اسم هذا المسؤول أو ذاك، بل هي المنطق الذي بدأ يترسخ في الحياة السياسية المغربية، والقائم على استثمار النجاحات الرياضية في سوق الانتخابات.

لقد نجح المغرب، في تحقيق قفزة رياضية غير مسبوقة، جعلت المملكة محط أنظار العالم. هذه النجاحات ليست ملكًا لشخص، ولا لحزب، ولا لتيار سياسي، بل هي ملك لجميع المغاربة.

فلماذا الإصرار، كلما اقترب موعد الانتخابات، على خلط الأوراق؟

ولماذا يُراد للملاعب أن تصبح امتدادًا للحملات الانتخابية؟

ولماذا تتحول الشعبية، التي صنعتها كرة القدم، إلى رصيد انتخابي جاهز للاستثمار؟

إن أخطر ما يمكن أن يقع اليوم، هو أن يعتقد المواطن أن الإنجاز الرياضي، أصبح جسرًا مختصرًا نحو البرلمان أو الحكومة، لأن ذلك يسيء إلى السياسة كما يسيء إلى الرياضة.

فالسياسة لها منطقها وبرامجها ومحاسبتها، والرياضة لها رسالتها وأهدافها، وعندما يمتزج المجالان بشكل مفرط، فإن الخاسر الأول هو ثقة المواطن.

ثم إن ما يزيد من منسوب القلق، هو ما يروج في الكواليس، من حديث عن دخول أسماء من العائلة أو المقربين إلى غمار الانتخابات المقبلة. وإذا صحت هذه الأخبار مستقبلاً، فإن ذلك، سيطرح أكثر من علامة استفهام، حول حدود التداخل بين النفوذ الإداري والرياضي والسياسي. أما إذا لم تصح، فمن الضروري، وضع حد لكل الإشاعات بتوضيحات رسمية، حتى لا يبقى المجال مفتوحًا للتأويلات.

ومن حق أي مواطن، كيفما كان موقعه، أن ينتمي إلى الحزب الذي يختاره، وأن يترشح للانتخابات متى استوفى الشروط القانونية. هذا حق يكفله الدستور، ولا يمكن لأحد مصادرته. لكن من حق الرأي العام أيضًا، أن يطالب بأن تبقى المنافسة السياسية قائمة على البرامج والكفاءة والإقناع، لا على النفوذ أو الشهرة أو الرمزية الرياضية.

الأخطر من ذلك، أن المشهد بدأ يوحي، لدى كثير من المتابعين، بأن الكعكة الانتخابية تكاد تكون موزعة سلفًا بين أسماء بعينها، وأن الأحزاب أصبحت تتسابق نحو استقطاب الشخصيات ذات النفوذ أكثر من تسابقها نحو تقديم مشاريع مجتمعية حقيقية. وإذا ترسخ هذا الانطباع، فإن الخاسر سيكون المسار الديمقراطي نفسه، لأن المواطن سيشعر بأن صوته لم يعد هو الذي يصنع الفارق.

إن الديمقراطية لا تُبنى باستعراض الأسماء اللامعة، وإنما ببناء الثقة مع المواطنين، وبالتنافس النزيه، واحترام تكافؤ الفرص، وتجديد النخب، وفتح المجال أمام الكفاءات الحقيقية.

لقد تعب المغاربة من مشهد “الميركاتو السياسي”، الذي ينتقل فيه البعض من حزب إلى آخر، مع اقتراب كل استحقاق، وكأن الانتماءات مجرد ألوان تُغيَّر بحسب اتجاه الرياح الانتخابية، لا بحسب القناعات أو البرامج.

لذلك، فإن الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة:

لا لتسييس الرياضة؛

لا لتحويل الإنجازات الوطنية إلى أوراق انتخابية؛

لا لاستغلال الشعبية الرياضية في صناعة النفوذ السياسي؛

ولا لتحويل الانتخابات إلى سباق بين أصحاب النفوذ، بدل أن تكون تنافسًا بين أصحاب المشاريع.

فالمغرب، وهو يستعد لتنظيم تظاهرات رياضية عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم، يحتاج إلى أن تبقى الرياضة عاملًا للوحدة الوطنية والإشعاع الدولي، لا أن تُزج بها في صراعات انتخابية، قد تفقدها جزءًا من رمزيتها.

إن احترام ذكاء المغاربة، يقتضي الفصل الواضح بين النجاح الرياضي والتنافس السياسي، لأن الأوطان، تتقدم حين تبقى المؤسسات قوية، وتبقى الرياضة للجميع، وتبقى السياسة ميدانًا للتدافع الديمقراطي الشريف، لا ساحة لاستثمار الهالة الإعلامية أو الشعبية.

فكفى استهتارًا بعقول المواطنين… ولتُترك الرياضة للملاعب، ولتُحسم الانتخابات في صناديق الاقتراع، بالبرامج والإقناع، لا بالنجومية أو النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.